La Lanterne de la Voie (Misbah chari3a – Lantern of Path) du 6e Imam Ja'far As-Sadiq (as) (eng-ar)

Lanterne de la Voie En anglais : http://www.al-islam.org/lantern-of-the-path/

En arabe : مصباح الشريعه   ci-dessous 

de l’Imam Ja’far ibn Muhammad as-Sadiq (as)  Sixième Imam de la descendance du Prophète (saws) 

 

1. L’adoration (Al-3ubûdiyah) 

L’Imam As-Sadiq (as) a dit : « Les racines de la conduite ont quatre aspects : la conduite envers d’Allah – Exalté soit-Il -, la conduite avec le soi, la conduite avec la création (les personnes), et la conduite avec ce monde.

Chacun de ces aspects est basé sur sept principes, tout comme il y a sept principes de conduite envers Allah – Exalté soit-Il – : lui donner Son Dû, respecter Ses Limites, être reconnaissant pour Son don, être satisfait de Son décret, être patient durant Ses épreuves, glorifier Sa sainteté, et avoir la nostalgie de Lui.

Les sept principes de la conduite envers le soi sont : la crainte, l’effort, endurer le mal, la discipline spirituelle, la recherche de la véracité et la sincérité, retirer à l’ego ce qu’il aime, et l’obliger à la pauvreté (faqr).

Les sept principes de la conduite avec la Création sont : la tolérance (la retenue), le pardon, l’humilité, la générosité, la compassion, le bon conseil, la justice et l’équité.

Les sept principes de la conduite de ce monde sont : être satisfait de ce qui est à portée de main, préférer ce qui est disponible à ce qui ne l’est pas, abandonner la recherche de l’insaisissable, détester la surabondance, choisir l’abstinence (zuhd), connaître les maux de ce monde et abandonner tout désir pour lui, et renier sa position dominante.

Lorsque toutes ces qualités se retrouvent dans une seule personne, il fait alors partie des élus (élites) d’Allah – Exalté soit-Il -, l’un de Ses proches et amis (awliya’). »

2. Plus sur l’adoration 

L’Imam As-Sadiq (as) a dit : « L’adoration est une essence, la nature intime de ce qui est la Seigneurie (rubûbiyah). Ce qui manque dans l’adoration se trouve dans la Seigneurie, et tout ce qui est voilé de la Seigneurie se trouve dans l’adoration. Comme Allah – Exalté soit-Il – a dit:

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 

Nous allons bientôt leur montrer Nos signes dans l’univers et en eux-mêmes, jusqu’à ce qu’il devienne évident pour eux que c’est la vérité. N’est-il pas suffisant que ton Seigneur soit Témoin de toute chose? (Coran, 41:53)

Cela signifie qu’Il existe à la fois en votre absence et en votre présence. L’adoration signifie débarrasser son soi de toute chose, et la façon d’obtenir cela est de refuser au soi ce qu’il désire et de lui faire porter ce qu’il n’aime pas. La clé de cela est l’abandon du repos, aimer l’isolement et suivre le chemin de la reconnaissance de la nécessité d’Allah – Exalté soit-Il -.

Le Saint Prophète (sawas) a dit: « Adorez Allah – Exalté soit-Il – comme si vous Le voyiez. Même si vous ne Le voyez pas, Il vous voit. »

Les lettres du mot Arabe pour « adorateur » (‘abd) sont trois : ‘ayn, ba et dal. Le ‘ayn est notre connaissance (‘ilm) d’Allah – Exalté soit-Il -. Le ba est notre distance (bawn) envers d’autres que Lui, et le dal est notre proximité (dunuw) à Allah – Exalté soit-Il – avec la restriction des qualités contingentes et du voile.

Les principes de conduite ont quatre aspects, comme nous l’avons mentionné au début du premier chapitre. »

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)
 

 الكتاب : مصباح‏الشريعة المنسوب للصادق ع 

الباب الأول في العبودية
قال الصادق ع أصول المعاملات تقع على أربعة أوجه معاملة الله و معاملة النفس و معاملة الخلق و معاملة الدنيا و كل وجه منها منقسم على سبعة أركان أما أصول معاملة الله تعالى فسبعة أشياء أداء حقه و حفظ حده و شكر عطائه و الرضا بقضائه و الصبر على بلائه و تعظيم حرمته و الشوق إليه و أصول معاملة النفس سبعة الخوف و الجهد و حمل الأذى و الرياضة و طلب الصدق و الإخلاص و إخراجها من محبوبها و ربطها في الفقر و أصول معاملة الخلق سبعة الحلم و العفو و التواضع و السخاء و الشفقة و النصح و العدل و الإنصاف و أصول معاملة الدنيا سبعة الرضا بالدون و الإيثار بالموجود و ترك طلب المفقود و بغض الكثرة و اختيار الزهد و معرفة آفاتها و رفض شهواتها مع رفض الرئاسة فإذا حصلت هذه الخصال في نفس واحدة فهو من خاصة الله و عبادة المقربين و أوليائه حقا
 

الباب الثاني
قال الصادق ع العبودية جوهر كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية و ما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية قال الله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ أي موجود في غيبتك و في حضرتك و تفسير العبودية بذل الكل و سبب ذلك منع النفس عما تهوى و حملها على ما تكره و مفتاح ذلك ترك الراحة و حب العزلة و طريقة الافتقار إلى الله تعالى قال النبي ص اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك و حروف العبد ثلاثة ع ب د فالعين علمه بالله و الباء بونه عمن سواه و الدال دنوه من الله تعالى بلا كيف و لا حجاب و أصول المعاملات تقع على أربعة أوجه كما ذكر في أول الباب الأول

الباب الثالث في غض البصر 

قال الصادق ع ما اغتنم أحد بمثل ما اغتنم بغض البصر لأن البصر لا يغض عن محارم الله تعالى إلا و قد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة و الجلال سئل أمير المؤمنين ع بما ذا يستعان على غض البصر فقال ع بالخمود تحت السلطان المطلع على سرك و العين جاسوس القلوب و بريد العقل فغض بصرك عما لا يليق بدينك و يكرهه قلبك و ينكره عقلك قال النبي ص غضوا أبصاركم ترون العجائب قال الله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ و قال عيسى ابن مريم ع للحواريين إياكم و النظر إلى المحذورات فإنها بذر الشهوات و بنات الفسق قال يحيى ع الموت أحب إلي من نظرة بغير واجب و قال عبد الله بن مسعود لرجل نظر إلى امرأة قد عادها في مرضها لو ذهب عيناك لكان خيرا لك من عيادة مريضك و لا تتوفر عين يصيبها من نظر إلى محذور إلا و قد انعقد عقدة على قلبه من المنية و لا تنحل بإحدى الحالين إما ببكاء الحسرة و الندامة بتوبة صادقة و إما بأخذ نصيبه مما تمنى و نظر إليه فأخذ الحظ من غير توبة فيصيره إلى النار و أما التائب البالي بالحسرة و الندامة عن ذلك فمأواه الجنة و منقلبه الرضوان 


الباب الرابع في المشي 
قال الصادق ع إن كنت عاقلا فقدم العزيمة الصحيحة و النية الصادقة في حين قصدك إلى أي مكان أردت فإن النفس من التخطي إلى محذور و كن متفكرا في مشيك و معبرا بعجائب صنع الله تعالى أينما بلغت و لا تكن مستهزئا و لا متبخترا في مشيك قال تعالى وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إلى آخرها و غض بصرك عما لا يليق بالدين و اذكر الله كثيرا فإنه قد جاء في الخبر أن المواضع التي يذكر الله فيها و عليها تشهد بذلك عند الله يوم القيامة و تستغفر لهم إلى أن يدخلهم الله الجنة و لا تكثرن الكلام مع الناس في الطريق فإن فيه سوء الأدب و أكثر الطرق مراصد الشيطان و متجرته فلا تأمن كيده و اجعل ذهابك و مجيئك في طاعة الله و السعي في رضاه فإن حركاتك كلها مكتوبة في صحيفتك قال الله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و قال الله تعالى وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ 


الباب الخامس في العلم 
قال الصادق ع العلم أصل كل حال سني و منتهى كل منزلة رفيعة و لذلك قال النبي ص طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة أي علم التقوى و اليقين و قال علي ع اطلبوا العلم و لو بالصين فهو علم معرفة النفس و فيه معرفة الرب عز و جل قال النبي ص من عرف نفسه فقد عرف ربه ثم عليك من العلم بما لا يصح العمل إلا به و هو الإخلاص قال النبي ص نعوذ بالله من علم لا ينفع و هو العلم الذي يضاد العمل بالإخلاص و اعلم أن قليل العلم يحتاج إلى كثير العمل لأن علم الساعة يلزم صاحبه استعمال طول دهره قال عيسى ابن مريم ع رأيت حجرا عليه مكتوب أقلبني فقلبته فإذا على باطنه مكتوب من لا يعمل بما يعلم مشئوم عليه طلب ما لا يعلم و مردود عليه ما علم أوحى الله تعالى إلى داود ع إن أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشد من سبعين عقوبة باطنة إن أخرج من قلبه حلاوة ذكرى و ليس إلى الله سبحانه طريق يسلك إلا بعلم و العلم زين المرء في الدنيا و الآخرة و سائقة إلى الجنة و به يصل إلى رضوان الله تعالى و العالم حقا هو الذي ينطق فيه أعماله الصالحة و أوراده الزاكية و صدقه و تقواه لا لسانه و مناظرته و معادلته و تصاوله و دعواه و لقد كان يطلب هذا العلم في غير هذا الزمان من كان مصباح الشريعة ص : 15فيه عقل و نسك و حكمة و حياء و خشية و إنا نرى طالبه اليوم من ليس فيه من ذلك شي ء و العالم يحتاج إلى عقل و رفق و شفقة و نصح و حلم و صبر و قناعة و بذل و المتعلم يحتاج إلى رغبة و إرادة و فراغ و نسك و خشية و حفظ و حزم 


الباب السادس في الفتياء 
قال الصادق ع لا يحل الفتياء لمن لا يصطفي من الله تعالى بصفاء سره و إخلاص علمه و علانيته و برهان من ربه في كل حال لأن من أفتى فقد حكم و الحكم لا يصح إلا بإذن من الله عز و جل و برهانه و من حكم بالخير بلا معاينة فهو جاهل مأخوذ بجهله و مأثوم بحكمه كما دل الخبر العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء قال النبي ص أجرأكم على الفتياء أجرأكم على الله عز و جل أ و لا يعلم المفتي أنه هو الذي يدخل بين الله تعالى و بين عباده و هو الحائر بين الجنة و النار قال سفيان بن عيينة كيف ينتفع بعلمي غيري و أنا قد حرمت نفسي نفعها و لا يحل الفتياء في الحلال و الحرام بين الخلق إلا لمن اتبع الحق من أهل زمانه و ناحيته و بلده بالنبي ص و عرف ما يصلح من فتياه قال النبي ص و ذلك لربما و لعل و لعسى أن الفتياء عظيمة قال أمير المؤمنين ع لقاض هل تعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال فهل أشرفت على مراد الله عز و جل في أمثال القرآن قال لا قال ع إذا هلكت و أهلكت و المفتي يحتاج إلى معرفة معاني القرآن و حقائق السنن و بواطن الإشارات و الآداب و الإجماع و الاختلاف و الاطلاع على أصول ما اجتمعوا عليه و ما اختلفوا فيه ثم إلى حسن الاختيار ثم إلى العمل الصالح ثم الحكمة ثم التقوى ثم حينئذ إن قدر 


الباب السابع في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر 
(1/5) 

قال الصادق ع من لم ينسلخ عن هواجسه و لم يتخلص من آفات نفسه و شهواتها و لم يهزم الشيطان و لم يدخل في كنف الله تعالى و أمان عصمته لا يصلح له الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة فكلما أظهر أمرا يكون حجة عليه و لا ينتفع الناس به قال تعالى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و يقال له يا خائن أ تطالب خلقي بما خنت به نفسك و أرخيت عنه عنانك روي أن ثعلبة الأسدي سأل رسول الله ص عن هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال رسول الله ص وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ حتى إذا رأيت شحا مطاعا و هوى متبعا و إعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك و دع عنك أمر العامة و صاحب الأمر بالمعروف يحتاج أن يكون عالما بالحلال و الحرام فارغا من خاصة نفسه مما يأمرهم به و ينهاهم عنه ناصحا للخلق رحيما لهم رفيقا بهم داعيا لهم باللطف و حسن البيان عارفا بتفاوت أخلاقهم لينزل كلا بمنزلته بصيرا بمكر النفس و مكايد الشيطان صابرا على ما يلحقه لا يكافئهم بها و لا يشكو منهم و لا يستعمل الحمية و لا يغتاظ لنفسه مجردا نيته لله مستعينا به تعالى و مبتغيا لوجهه فإن خالفوه و جفوه صبر و إن وافقوه و قبلوا منه شكر مفوضا أمره إلى الله ناظرا إلى عيبه 
الباب الثامن في آفة العلماء 

قال الصادق ع الخشية ميراث العلم و ميزانه و العلم شعاع المعرفة و قلب الإيمان و من حرم الخشية لا يكون عالما و أن يشق الشعر بمتشابهات العلم قال الله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و آفة العلماء ثمانية الطمع و البخل و الرياء و العصبية و حب المدح و الخوض فيما لم يصلوا إلى حقيقته و التكلف في تزيين الكلام بزوائد الألفاظ و قلة الحياء من الله و الافتخار و ترك العمل بما علموا قال عيسى ع أشقى الناس من هو معروف بعلمه مجهول بعمله و قال النبي ص لا تجلسوا عند كل داع مدع يدعوكم من اليقين إلى الشك و من الإخلاص إلى الرياء و من التواضع إلى الكبر و من النصيحة إلى العداوة و من الزهد إلى الرغبة و تقربوا إلى عالم يدعوكم إلى التواضع من الكبر و من الرياء إلى الإخلاص و من الشك إلى اليقين و من الرغبة إلى الزهد و من العداوة إلى النصيحة و لا يصلح لموعظة الخلق إلا من جاوز هذه الآفات بصدقة و أشرف على عيوب الكلام و عرف الصحيح من السقيم و علل الخواطر و فتن النفس و الهوى قال علي ع كن كالطبيب الرفيق الشفيق الذي يضع الدواء بحيث ينفع في الخبر سألوا عيسى ابن مريم ع يا روح الله مع من نجالس قال ع من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله 
الباب التاسع في الرعاية 

قال الصادق ع من رعى قلبه عن الغفلة و نفسه عن الشهوة و عقله عن الجهل فقد دخل في ديوان المتنبهين ثم من رعى علمه عن الهوى و دينه عن البدعة و ماله عن الحرام فهو من جملة الصالحين قال رسول الله ص طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة و هو علم الأنفس فيجب أن يكون نفس المؤمن على كل حال في شكر أو عذر على معنى إن قبل ففضل و إن رد فعدل و تطالع الحركات في الطاعات بالتوفيق و تطالع السكون عن المعاصي بالعصمة و قوام مصباح الشريعة ص : 23ذلك كله بالافتقار إلى الله تعالى و الاضطرار إليه و الخشوع و الخضوع و مفاتحها الإنابة إلى الله تعالى مع قصر الأمل بدوام ذكر الموت و عيان الوقوف بين يدي الجبار لأن ذلك راحة من الحبس و نجاة من العدو و سلامة النفس و سبب الإخلاص في الطاعات التوفيق و أصل ذلك لأن يرد العمر إلى يوم واحد قال رسول الله ص الدنيا ساعة فاجعلها طاعة و باب ذلك كله ملازمة الخلوة بمداومة الفكر و سبب الخلوة القناعة و ترك الفضول من المعاش و سبب الفكر الفراغ و عماد الفراغ الزهد و تمام الزهد التقوى و باب التقوى الخشية و دليل الخشية التعظيم لله تعالى و التمسك بخالص طاعة في أوامره و الخوف و الحذر مع الوقوف عن محارمه و دليلها العلم قال الله عز و جل إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 
الباب العاشر في الشكر 

قال الصادق ع في كل نفس من أنفاسك شكر لازم لك بل ألف أو أكثر و أدنى الشكر رؤية النعمة من الله تعالى من غير علة يتعلق القلب بها دون الله عز و جل و الرضا بما أعطى و أن لا تعصيه بنعمته و تخالفه بشي ء من أمره و نهيه بسبب نعمته فكن لله عبدا شاكرا على كل حال تجد الله ربا كريما على كل حال و لو كان عند الله تعالى عبادة تعبد بها عباده المخلصون أفضل من الشكر على كل لأطلق لفظة فيهم من جميع الخلق بها فلما لم يكن أفضل منها خصها من بين العبادات و خص أربابها فقال وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و تمام الشكر الاعتراف بلسان العز خالصا لله عز و جل بالعجز عن بلوغ أدنى شكره لأن التوفيق في الشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها و هي أعظم قدرا و أعز وجودا من النعمة التي من أجلها وفق له فيلزمك على كل شكر شكرا أعظم منه إلى ما لا نهاية له مستغرقا في نعمه عاجزا قاصرا عن درك غاية شكره فأنى يلحق العبد شكر نعمة الله و متى يلحق صنيعه بصنيعه و العبد ضعيف لا قوة له أبدا إلا بالله تعالى عز و جل و الله تعالى غني عن طاعة العبد فهو تعالى قوي على مزيد النعم على الأبد فكن لله عبدا شاكرا على هذا الوجه ترى العجب 
الباب الحادي عشر في الخروج من المنزل 

قال الصادق ع إذا خرجت من منزلك فاخرج خروج من لا يعود و لا يكن خروجك إلا لطاعة أو سبب من أسباب الدين و الزم السكينة و الوقار و اذكر الله سرا و جهرا سأل بعض أصحاب أبي ذر ره أهل داره عنه فقالت خرج فقال متى يرجع فقالت متى يرجع من روحه بيد غيره و لا يملك لنفسه شيئا و اعتبر بخلق الله تعالى برهم و فاجرهم أينما مضيت فاسأل الله تعالى أن يجعلك من خلص عباده الصادقين و يلحقك بالماضين منهم و يحشرك في زمرتهم و احمده و اشكره على ما جنبك من الشهوات و عصمك من قبيح أفعال المجرمين و غض بصرك من الشهوات و مواضع النهي و اقصد من مشيك و راقب الله في كل خلوة كأنك على الصراط جائز و لا تكن لفاتا و أفش السلام لأهله مبتدئا و مجيبا و أعن من استعان بك في حق و أرشد الضال و أعرض عن الجاهلين و إذا رجعت منزلك فادخل دخول الميت في القبر حيث ليس همته إلا رحمة الله تعالى و عفوه 
الباب الثاني عشر في قراءة القرآن 

قال الصادق ع من قرأ القرآن و لم يخضع لله و لم يرق قلبه و لا ينشئ حزنا و وجلا في سره فقد استهان بعظم شأن الله تعالى و خسر خسرانا مبينا فقارئ القرآن محتاج إلى ثلاثة أشياء قلب خاشع و بدن فارغ و موضع خال فإذا خشع الله قلبه فر منه الشيطان الرجيم قال الله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فإذا تفرغ نفسه من الأسباب تجرد قلبه للقراءة و لا يعترضه عارض فيحرمه بركة نور القرآن و فوائده فإذا اتخذ مجلسا خاليا و اعتزل عن الخلق بعد أن أتى بالخصلتين خضوع القلب و فراغ البدن استأنس روحه و سره بالله عز و جل و وجد حلاوة مخاطبات الله تعالى عز و جل عبادة الصالحين و علم لطفه بهم و مقام اختصاصه لهم بفنون كراماته و بدائع إشاراته فإن شرب كأسا من هذا المشرب لا يختار على ذلك الحال حالا و على ذلك الوقت وقتا بل يؤثره على كل طاعة و عبادة لأن فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة فانظر كيف تقرأ كتاب ربك و منشود ولايتك و كيف تجيب أوامره و تجتنب نواهيه و كيف تتمثل حدوده فإنه كتاب عزيز لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فرتله ترتيلا و قف عند وعده و وعيده و تفكر في أمثاله و مواعظه و احذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده الباب الثالث عشر في اللباس 

قال الصادق ع زين اللباس للمؤمن التقوى و أنعمه الإيمان قال الله تعالى وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ و أما اللباس الظاهر فنعمة من الله تعالى تستر بها عورات بني آدم هي كرامة أكرم الله بها ذرية آدم ما لم يكرم بها غيرهم و هي للمؤمنين من إله لأداء ما افترض عليهم و خير لباسك ما لا يشغلك عن الله عز و جل بل يقربك من ذكره و شكره و طاعته و لا يحملك على العجب و الرياء و التزيين و التفاخر و الخيلاء فإنها من آفات الدين و مورثة القسوة في القلب فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته و ألبس باطنك كما ألبست ظاهرك بثوبك و ليكن باطنك من الصدق في ستر الهيبة و ظاهرك في ستر الطاعة و اعتبر بفضل الله عز و جل حيث خلق أسباب اللباس ليستر العورات الظاهرة و فتح أبواب التوبة و الإنابة و الإغاثة ليستر بها العورات الباطنة من الذنوب و أخلاق السوء و لا تفضح أحدا حيث ستر الله عليك ما أعظم منه و اشتغل بعيب نفسك و اصفح عما لا يعنيك حاله و أمره و احذر أن يفنى عمرك بعمل غيرك و يتجر برأس مالك غيرك فتهلك نفسك فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل و أوفر أسباب العقوبة في الآجل و ما دام العبد مشتغلا بطاعة الله تعالى و معرفة عيوب نفسه و ترك ما يشين في دين الله عز و جل فهو بمعزل عن الآفات غائص في بحر رحمة الله تعالى يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة و البيان و ما دام ناسيا لذنوبه جاهلا لعيوبه راجعا إلى حوله و قوته لا يفلح إذا أبدا 
الباب الرابع عشر في الرياء
 

قال الصادق ع لا ترائي بعملك من لا يحيي و يميت و لا يغني عنك شيئا و الرياء شجرة لا تثمر إلا الشرك الخفي و أصلها النفاق يقال للمرائي عند الميزان خذ ثوابا تعد ثواب عملك ممن أشركته معي فانظر من تعبد و تدعو و من ترجو و من تخاف و اعلم أنك لا تقدر على إخفاء شي ء من باطنك عليه تعالى و تصير مخدوعا بنفسك قال الله تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ و أكثر ما يقع الرياء في البصر و الكلام و الأكل و الشرب و المجي ء و المجالسة و اللباس و الضحك و الصلاة و الحج و الجهاد و قراءة القرآن و سائر العبادات الظاهرة فمن أخلص باطنه لله تعالى و خشع له بقلبه و رأى نفسه مقصرا بعد بذل كل مجهود وجد الشكر عليه حاصلا و يكون من يرجو له الخلاص من الرياء و النفاق إذا استقام على ذلك في كل حال 
الباب الخامس عشر في الصدق 

قال الصادق ع الصدق نور متشعشع في عالمه كالشمس يستضي ء بها كل شي ء بمعناها من غير نقصان يقع على معناها و الصادق حقا هو الذي يصدق كل كاذب بحقيقة صدق ما لديه و هو المعنى الذي لا يسع معه سواه أو ضده مثل آدم على نبينا و آله و ع صدق إبليس في كذبه حين أقسم له كاذبا لعدم ما به من الكذب في آدم قال الله تعالى وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً لأن إبليس أبدع شيئا كان أول من أبدعه و هو غير معهود ظاهرا و باطنا فحشر هو بكذبه على معنى لم ينتفع به من صدق آدم ع على بقاء الأبد و أفاد آدم ع بتصديقه كذبه بشهادة الله عز و جل له ينفي عزمه عما يضاد عهده في الحقيقة على معنى لم ينتقص من اصطفائه بكذبه شيئا فالصدق صفة الصادق حقيقة الصدق يقتضي تزكية الله تعالى لعبده كما ذكر عن صدق عيسى ع في القيامة بسبب ما أشار إليه من صدقه و هو براءة الصادقين من رجال أمة محمد ص فقال تعالى هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ و قال أمير المؤمنين ع الصدق سيف الله في أرضه و سمائه أينما هوى به يقده فإذا أردت أن تعلم أ صادق أنت أم كاذب فانظر في صدق معناك و عقد دعواك و عيرهما بقسطاس من الله تعالى كأنك في القيامة قال الله تعالى وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فإذا اعتدل معناك يفوز دعواك ثبت لك الصدق و أدنى حد الصدق أن لا يخالف اللسان القلب و لا القلب اللسان و مثل الصادق الموصوف بما ذكرناه كمثل النازع لروحه إن لم ينزع فما ذا يصنع 
الباب السادس عشر في الإخلاص 

قال الصادق ع الإخلاص بجميع فواضل الأعمال و هو معنى افتتاحه القبول و توقيعه الرضا فمن تقبل الله منه و يرضى عنه فهو المخلص و إن قل عمله و من لم يتقبل منه فليس بمخلص و إن كثر عمله اعتبارا بآدم ع و إبليس عليه اللعنة و علامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل محاب مع إصابة علم كل حركة و سكون و المخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به العلم و الأعمال و العامل و المعمول بالعمل لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك الكل و إذا فاته ذلك فاته الكل و هو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الأول هلك العاملون إلا العابدون و هلك العابدون إلا العالمون و هلك العالمون إلا الصادقون و هلك الصادقون إلا المخلصون و هلك المخلصون إلا المتقون و هلك المتقون إلا الموقنون و إن الموقنين لعلى خلق عظيم قال الله تعالى وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ و أدنى حد الإخلاص بذل العبد طاقته ثم لا يجعل لعمله عند الله قدرا فيوجب به على ربه مكافأة لعلمه بعمله أنه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز و أدنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الآثام و في الآخرة النجاة من النار و الفوز بالجنة 
الباب السابع عشر في التقوى 

قال الصادق ع التقوى على ثلاثة أوجه تقوى بالله و هو ترك الخلاف فضلا عن الشبهة و هو تقوى خاص الخاص و تقوى من الله تعالى و هو ترك الشبهات فضلا عن الحرام و هو تقوى الخاص و تقوى من خوف النار و العقاب و هو ترك الحرام و هو تقوى العام و مثل التقوى كماء يجري في النهر و مثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافة ذلك النهر من كل لون و جنس و كل شجرة منها تمتص الماء من ذلك النهر على قدر جوهره و طعمه و لطافته و كثافته ثم منافع الخلق من ذلك الأشجار و الثمار على قدرها و قيمتها قال الله تعالى صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ فالتقوى للطاعات كالماء للأشجار و مثل طبائع الأشجار و الأثمار في لونها و طعمها مثل مقادير الإيمان فمن كان أعلى درجة في الإيمان و أصفى جوهرة بالروح كان أتقى و من كان التقي كانت عبادته أخلص و أطهر و من كان كذلك كان من الله أقرب و كل عبادة مؤسسة على غير التقوى فهي هباء منثورا قال الله تعالى أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ و تفسير التقوى ترك ما ليس بأخذه بأس حذرا مما به البأس و هو في الحقيقة طاعة بلا عصيان و ذكر بلا نسيان و علم بلا جهل مقبول غير مردود 
الباب الثامن عشر في الورع 

قال الصادق ع اغلق أبواب جوارحك عما يقع ضرره إلى قلبك و يذهب بوجاهتك عند الله تعالى و يعقب الحسرة و الندامة يوم القيامة و الحياء عما اجترحت من السيئات و المتورع يحتاج إلى ثلاثة أصول الصفح عن عثرات الخلق أجمع و ترك خطيئته فيهم و استواء المدح و الذم و أصل الورع دوام محاسبة النفس و صدق المقاولة و صفاء المعاملة و الخروج من كل شبهة و رفض كل عيبة و ريبة و مفارقة جميع ما لا يعنيه و ترك فتح أبواب لا يدري كيف يغلقها و لا يجالس من يشكل عليه الواضح و لا يصاحب مستخف الدين و لا يعارض من العلم ما لا يحتمل قلبه و لا يتفهمه من قائله و يقطعه عمن يقطعه عن الله عز و جل تعالى شأنه  الباب التاسع عشر في المعاشرة
قال الصادق ع حسن المعاشرة مع خلق الله تعالى في غير معصيته من مزيد فضل الله تعالى عند عبده و من كان مخلصا خاضعا لله في السر كان حسن المعاشرة في العلانية فعاشر الخلق لله تعالى و لا تعاشرهم لنصيبك لأمر الدنيا و لطلب الجاه و الرياء و السمعة و لا تسقطن لسببها عن حدود الشريعة من باب المماثلة و الشهرة فإنهم لا يغنون عنك شيئا و تفوتك الآخرة بلا فائدة فاجعل من هو الأكبر منك بمنزلة الأب و الأصغر بمنزلة الولد و المثل بمنزلة الأخ و لا تدع ما تعلمه يقينا من نفسك بما تشك فيه من غيرك و كن رفيقا في أمرك بالمعروف و شفيقا في نهيك عن المنكر و لا تدع النصيحة في كل حال قال الله تعالى وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و اقطع عما ينسيك وصله ذكر الله تعالى و تشغلك عن طاعة الله الفتنة فإن ذلك من أولياء الشيطان و أعوانه و لا يحملنك رؤيتهم إلى المداهنة عند الحق فإن في ذلك خسرانا عظيما نعوذ بالله تعالى
الباب العشرون في النوم 

قال الصادق ع نم نوم المعتبرين و لا تنم نوم الغافلين فإن المعتبرين من الأكياس ينامون استراحة و لا ينامون استبطارا ]استبصارا[ قال النبي ص تنام عيناي و لا ينام قلبي و انو بنومك تخفيف مئونتك على الملائكة و اعتزال النفس عن شهواتها و اختبر بها نفسك و كن ذا معرفة بأنك عاجز ضعيف لا تقدر على شي ء من حركاتك و سكونك إلا بحكم الله و تقديره و إن النوم أخو الموت و استدل بها على الموت الذي لا تجد السبيل إلى الانتباه فيه و الرجوع إلى صلاح ما فات عنك و من نام عن فريضة أو سنة أو نافلة فإنه بسببها شي ء فذلك نوم الغافلين و سيرة الخاسرين و صاحبه مغبون و من نام بعد فراغه من أداء الفرائض و السنن و الواجبات من الحقوق فذلك نوم محمود و إني لا أعلم لأهل زماننا هذا شيئا إذا أتوا بهذه الخصال أسلم من النوم لأن الخلق تركوا مراعاة دينهم و مراقبة أحوالهم و أخذوا شمال الطريق و العبد إن اجتهد أن لا يتكلم كيف يمكنه أن لا يستمع إلا ما هو مانع له من ذلك و أن النوم من إحدى تلك الآلات قال الله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و إن في كثرته آفات و إن كان على سبيل ما ذكرنا و كثرة النوم يتولد من كثرة الشرب و كثرة الشرب يتولد من كثرة الشبع و هما يثقلان النفس عن الطاعة و يقسيان القلب عن التفكر و الخشوع و اجعل كل نومك آخر عهدك من الدنيا و اذكر الله تعالى بقلبك و لسانك و حف طاعتك على شرك مستعينا به في الصيام إلى الصلاة إذا انتبهت فإن الشيطان يقول لك نم فإن لك بعد ليلا طويلا يريد تفويت وقت مناجاتك و عرض حالك على ربك و لا تغفل عن الاستغفار بالأسحار فإن للقانتين فيه أشواقا 
الباب الواحد و العشرون في الحج 

قال الصادق ع إذا أردت الحج فجرد قلبك لله عز و جل من قبل عزمك من كل شاغل و حجب عن كل حاجب و فوض أمورك كلها إلى خالقك و توكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك و سكونك و سلم لقضائه و حكمه و قدره و تدع الدنيا و الراحة و الخلق و اخرج من حقوق يلزمك من جهة المخلوقين و لا تعتمد على زادك و راحلتك و أصحابك و قوتك و شبابك و مالك مخافة أن تصير ذلك أعداء و وبالا ليعلم أنه ليس قوة و لا حيلة و لا حد إلا بعصمة الله تعالى و توفيقه و استعد استعداد من لا يرجو الرجوع و أحسن الصحبة و راع أوقات فرائض الله تعالى و سنن نبيه ص و ما يجب عليك من الأدب و الاحتمال و الصبر و الشكر و الشفقة و السخاء و إيثار الراد على دوام الأوقات ثم اغتسل بماء التوبة الخالصة من الذنوب و البس كسوة الصدق و الصفاء و الخضوع و الخشوع و أحرم عن كل شي ء يمنعك عن ذكر الله عز و جل و يحجبك عن طاعته و لب بمعنى إجابة صافية خالصة زاكية لله عز و جل في دعوتك له متمسكا بالعروة الوثقى و طف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت و هرول هرولة فرا من هواك و تبرأ من جميع حولك و قوتك و اخرج من غفلتك و زلاتك بخروجك إلى منى و لا تمن ما لا يحل لك و لا تستحقه و اعترف بالخطإ بالعرفات و حدد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته و تقرب إليه و اتقه بمزدلفة و اصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل و اذبح حنجرة الهوى و الطمع عند الذبيحة و ارم الشهوات و الخساسة و الدناءة و الأفعال الذميمة عند رمي الجمرات و احلق العيوب الظاهرة و الباطنة بحلق شعرك و ادخل في أمان الله تعالى و كنفه و ستره و حفظه و كلائه من متابعة مرادك بدخول الحرم و زر البيت متحففا لتعظيم صاحبه و معرفته و جلاله و سلطانه و استلم الحجر رضى بقسمته و خضوعا لعظمته و دع ما سواه بطواف الوداع و صف روحك و سرك للقاء الله تعالى يوم تلقاه بوقوفك على الصفا و كن ذا مروة من الله بفناء أوصافك عند المروة و استقم على شروط حجك و وفاء عهدك الذي عاهدت ربك و أوجبته له يوم القيامة و اعلم بأن الله لم يفترض الحج و لم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و لا شرع نبيه ص في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه للاستعداد و الإشارة إلى الموت و القبر و البعث و القيامة و فصل بيان السبق من دخول الجنة أهلها و دخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألباب و أولي النهى
مصباح الشريعة ص : 51الباب الثاني و العشرون في الزكاة
قال الصادق ع على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله تعالى بل على كل منبت شعر من شعرك بل على كل لحظة من لحظاتك زكاة فزكاة العين النظرة بالعبرة و الغض عن الشهوات و ما يضاهيها و زكاة الأذن استماع العين و الحكمة و القرآن و فوائد الدين من الموعظة و النصيحة و ما فيه نجاتك و بالإعراض عما هو ضده من الكذب و الغيبة و أشباههما و زكاة اللسان النصح للمسلمين و التيقظ للغافلين و كثرة التسبيح و الذكر و غيرها و زكاة اليد البذل و العطاء و السخاء بما أنعم الله عليك به و تحريكها بكتابة العلم و منافع ينتفع بها المسلمون في طاعة الله تعالى و القبض عن الشر و زكاة الرجل السعي في حقوق الله تعالى من زيارة الصالحين و مجالس الذكر و إصلاح الناس و صلة الأرحام و الجهاد و ما فيه صلاح قلبك و سلامة دينك هذا مما تحمل القلوب فهمه و النفوس استعماله و ما لا يشرف عليه إلا عبادة المخلصون المقربون أكثر من أن تحصى و هم أربابه و هو شعارهم دون غيرهم اللهم وفقني بما تحب و ترضى
 

الباب الثالث و العشرون في النية 

قال الصادق ع صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لأن سلامة القلب من هواجس المحذورات بتخليص النية لله تعالى في الأمور كلها قال الله تعالى يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و قال النبي ص نية المؤمن خير من عمله و قال ص إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى فلا بد للعبد من خالص النية في كل حركة و سكون لأنه إذا لم يكن بهذا المعنى يكون غافلا و الغافلون قد ذمهم الله تعالى فقال إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا و قال أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ثم النية تبدو من القلب على قدر صفاء المعرفة و تختلف على حسب اختلاف الأوقات الإيمان في معنى قوته و ضعفه و صاحب النية الخالصة نفسه و هواه معه مقهورتان تحت سلطان تعظيم الله تعالى و الحياء منه و هو من طبعه و شهوته و منية نفسه منه في تعب و الناس منه في راحة 
الباب الرابع و العشرون في الذكر 

قال الصادق ع من كان ذاكرا لله تعالى على الحقيقة فهو مطيع و من كان غافلا عنه فهو عاص و الطاعة علامة الهداية و المعصية علامة الضلالة و أصلهما من الذكر و الغفلة فاجعل قلبك قبلة للسانك لا تحركه إلا بإشارة القلب و موافقة العقل و رضى الإيمان فإن الله تعالى عالم بسرك و جهرك و كن كالنازع روحه أو كالواقف في العرض الأكبر غير شاغل نفسك عما عناك بما كلفك به ربك في أمره و نهيه و وعده و وعيده و لا تشغلها بدون ما كلف به ربك و اغسل قلبك بماء الحزن و الخوف و اجعل ذكر الله تعالى من أجل ذكره إياك فإنه ذكرك و هو غني عنك فذكره لك أجل و أشهى و أثنى و أتم من ذكرك له و أسبق و معرفتك بذكره لك تورثك الخضوع و الاستحياء و الانكسار و يتولد من ذلك رؤية كرمه و فضله السابق و تصغر عند ذلك طاعتك و إن كثرت في جنب منته و تخلص لوجهه و رؤيتك ذكرك له تورثك الرياء و العجب و السفه و الغلظة في خلقه و هو استكثار الطاعة و نسيان فضله و كرمه و لا تزداد بذلك إلا بعدا و لا تستجلب به على معنى الأيام إلا وحشة و الذكر ذكران ذكر خالص بموافقة القلب و ذكر صادف لك بنفي ذكر غيره كما قال رسول الله ص أنا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فرسول الله ص لم يجعل لذكر الله تعالى مقدارا عند علمه بحقيقة سابقة ذكر الله عز و جل من قبل ذكره له و من دونه أولى فمن أراد أن يذكر الله تعالى فليعلم أنه ما لم يذكر الله العبد بالتوفيق لذكره لا يقدر العبد على ذكره 
الباب الخامس و العشرون في آفة القراء 

قال الصادق ع المتقرئ بلا علم كالمعجب بلا مال و لا ملك يبغض الناس لفقره و يبغضونه لعجبه فهو أبدا مخاصم للخلق في غير واجب و من خاصم الخلق في غير ما يؤمر به فقد نازع الخالقية و الربوبية قال الله تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ و ليس أحد أشد عقابا ممن لبس قميص الدعوى بلا حقيقة و لا معنى قال زيد بن ثابت لابنه يا بني لا يرى الله اسمك في ديوان القراء قال النبي ص و سيأتي على أمتي زمان تسمع فيه باسم الرجل خير من أن تلقى و إن تلقى خير من أن تجرب و قال النبي ص أكثر منافقي أمتي قراؤها و كن حيث ندبت إليه و أمرت به و أخف سرك في الخلق ما استطعت و اجعل طاعتك لله تعالى بمنزلة روحك من جسدك و لتكن معبرا حالك ما تحققه بينك و بين بارئك و استعن بالله في جميع أمورك متضرعا إلى الله في آناء ليلك و أطراف نهارك قال الله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ و الاعتداء من صفة قراء زماننا هذا و علامتهم فكن لله في جميع أمورك على وجل لئلا تقع في ميدان التمني فتهلك
الباب السادس و العشرون في بيان الحق و الباطل 
قال الصادق ع اتق الله و كن حيث شئت و من أي قوم شئت فإنه لا خلاف لأحد في التقوى و التقوى محبوب عند كل فريق و فيه اجتماع كل خير و رشد و هو ميزان كل علم و حكمة و أساس كل طاعة مقبولة و التقوى ماء ينفجر من عين المعرفة بالله تعالى يحتاج إليه كل فن من العلم و هو لا يحتاج إلى تصحيح المعرفة بالخمود تحت هيبة الله تعالى و سلطانه و مزيد التقوى يكون من أصل اطلاع الله عز و جل على سر العبد بلطفه فهذا أصل كل حق و أما الباطل فهو ما يقطعك عن الله تعالى متفق عليه أيضا كل فريق فاجتنب عنه و أفرد سرك لله تعالى بلا علاقة قال رسول الله ص أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد حيث قال
ألا كل شي ء ما سوى الله باطل و كل نعيم لا محالة زائل
فالزم ما اجتمع عليه أهل الصفاء و التقى و التقوى من أصول الدين و حقائق اليقين و الرضا و التسليم و لا تدخل في اختلاف الخلق و مقالاتهم فيصعب عليك و قد اجتمعت الأمة المختارة بأن الله واحد ليس كمثله شي ء و أنه عدل في حكمه و يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لا يقال في شي ء من صنعه لم و لا كان و لا يكون شي ء إلا بمشيئته و إرادته و أنه قادر على ما يشاء و صادق في وعده و وعيده و أن القرآن كلامه و أنه كان قبل الكون و المكان و الزمان و أن إحداث الكون و فنائه عنده سواء ما ازداد بإحداثه علما و لا ينقص بفنائه ملكه عز سلطانه و جل سبحانه فمن أورد عليك ما ينقص هذا الأصل فلا تقبله و جرد باطنك لذلك ترى بركاته عن قريب و تفوز مع الفائزين
 


الباب السابع و العشرون في معرفة الأنبياء 
قال الصادق ع إن الله عز و جل مكن أنبياءه من خزائن لطفه و كرمه و رحمته و علمهم من مخزون علمه و أفردهم من جميع الخلائق لنفسه فلا يشبه أحوالهم و أخلاقهم أحدا من الخلائق أجمعين إذ جعلهم وسائل سائر الخلق إليه و جعل حبهم و إطاعتهم سبب رضائه و خلافهم و إنكارهم سبب سخطه و أمر كل قوم و فئة باتباع ملة رسولهم ثم أبى أن يقبل طاعة إلا بطاعتهم و تمجيدهم و معرفة حبهم و تبجيلهم و حرمتهم و وقارهم و تعظيمهم و جاههم عند الله تعالى فعظم جميع أنبياء الله و لا تنزلهم منزلة أحد من دونهم و لا تتصرف بعقلك في مقاماتهم و أحوالهم و أخلاقهم إلا ببيان محكم من عند الله و إجماع أهل البصائر بدلائل يتحقق بها فضائلهم و مراتبهم و أنى بالوصول إلى حقيقة ما لهم عند الله تعالى فإن قابلت أقوالهم و أفعالهم بمن دونهم من الناس أجمعين فقد أسأت صحبتهم و أنكرت معرفتهم و جهلت خصوصيتهم بالله و سقطت عن درجة حقائق الإيمان و المعرفة فإياك ثم إياك 

الباب الثامن و العشرون في معرفة الأئمة ع قال الصادق ع روي بإسناد صحيح عن سلمان الفارسي ره قال دخلت على رسول الله ص فلما نظر إلي فقال ص يا سلمان إن الله عز و جل لن يبعث نبيا و لا رسولا إلا و له اثنا عشر نقيبا قال قلت يا رسول الله ص عرفت هذا من أهل الكتابين قال يا سلمان هل عرفت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله تعالى للإمامة من بعدي فقلت الله و رسوله أعلم فقال يا سلمان خلقني الله تعالى من صفوة نوره و دعاني فأطعته فخلق من نوري عليا و دعاه فأطاعه فخلق من نوري و نور علي فاطمة و دعاها فأطاعته فخلق مني و من علي و فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه فسمانا الله تعالى بخمسة أسماء من أسمائه فالله تعالى المحمود و أنا محمد و الله العلي و هذا علي و الله الفاطر و هذه فاطمة و الله ذو الإحسان و هذا الحسن و الله المحسن و هذا الحسين و خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه من قبل أن يخلق الله تعالى سماء مبنية و أرضا مدحية أو هواء أو ملكا أو بشرا و كنا أنوارا نسبحه و نسمع له و نطيع قال فقلت يا رسول الله بأبي أنت و أمي ما لمن عرف هؤلاء حق معرفتهم فقال يا سلمان من عرفهم حق معرفتهم و اقتدى بهم فوالاهم و تبرأ من عدوهم كان و الله منا يرد حيث نرد و يكن حيث نكن فقلت يا رسول الله ص فهل إيمان بغير معرفتهم بأسمائهم و أنسابهم فقال لا يا سلمان قلت يا رسول الله ص فأنى لي بهم فقال ص قد عرفت إلى الحسين ع قلت نعم قال رسول الله ص ثم سيد العابدين مصباح الشريعة ص : 65علي بن الحسين ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين و الآخرين من النبيين و المرسلين ثم جعفر بن محمد لسان الله الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرا في الله تعالى ثم علي بن موسى الرضا الراضي بسر الله تعالى ثم محمد بن علي المختار من خلق الله ثم علي بن محمد الهادي إلى الله ثم الحسن بن علي الصامت الأمين على سر الله ثم م ح م د سماه بابن الحسن الناطق القائم بحق الله تعالى قال سلمان فبكيت ثم قلت يا رسول الله ص إني مؤجل إلى عهدهم قال يا سلمان اقرأ فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً قال ره فاشتد بكائي و شوقي قلت يا رسول الله ص أ بعهد منك فقال إي و الذي بعثني و أرسلني لبعهد مني و بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة أئمة من ولد الحسين ع و بك و من هو منا و مظلوم فينا و كل من محض الإيمان محضا إي و الله يا سلمان ثم ليحضرن إبليس و جنوده و كل من محض الكفر محضا حتى يؤخذ بالقصاص و الأوتاد و التراث و لا يظلم ربك أحدا و نحن تأويل هذه الآية وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ قال سلمان فقمت من بين يدي رسول الله ص و ما يبالي سلمان كيف لقي الموت أو لقاه 

الباب التاسع و العشرون في معرفة الصحابة  قال الصادق ع لا تدع اليقين بالشك و المكشوف بالخفي و لا تحكم ما لم تره بما تروى عنه قد عظم الله أمر الغيبة و سوء الظن بإخوانك من المؤمنين فكيف بالجرأة على إطلاق قول و اعتقاد زور و بهتان في أصحاب رسول الله ص قال الله عز و جل تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ و ما دمت تجد إلى تحسين القول و الفعل في غيبتك و حضرتك سبيلا فلا تتخذ غيره قال الله وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و اعلم أن الله تعالى اختار لنبيه عن أصحابه طائفة أكرمهم بأجل الكرامة و حلاهم بحلية التأييد و النصر و الاستقامة لصحبته على المحبوب و المكروه و أنطق لسان نبيه محمد ص بفضائلهم و مناقبهم و كراماتهم و اعتقد محبتهم و اذكر فضلهم و احذر مجالسة أهل البدع فإنها تنبت في القلب كفرا و ضلالا مبينا و إن اشتبه عليك فضيلة بعضهم فكلهم إلى عالم الغيب و قل اللهم إني محب لمن أحببته أنت و رسولك و مبغض لمن أبغضته أنت و رسولك فإنه لم يكلف فوق ذلكالباب الثلاثون في حرمة المؤمنين 


قال الصادق ع لا يعظم حرمة المؤمنين إلا من قد عظم الله حرمته على المؤمنين و من كان أبلغ حرمة لله و رسوله كان أشد تعظيما لحرمة المؤمنين و من استهان لحرمة المؤمنين فقد هتك ستر إيمانه قال النبي ص إن من إجلال الله إعظام ذوي القربى في الإيمان قال رسول الله ص من لم يرحم صغيرا و لا يوقر كبيرا فليس منا و لا تكفر مسلما تكفره التوبة إلا من ذكر الله في كتابه قال الله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ و اشتغل بشأنك الذي أنت به مطالب
 
الباب الواحد و الثلاثون في بر الوالدين 

قال الصادق ع بر الوالدين من حسن معرفة العبد بالله إذ لا عبادة أسرع بلوغا لصاحبها إلى رضاء الله من بر الوالدين المؤمنين لوجه الله تعالى لأن حق الوالدين مشتق من حق الله تعالى إذا كانا على منهاج الدين و السنة و لا يكونان يمنعان الولد من طاعة الله إلى طاعتهما و من اليقين إلى الشك و من الزهد إلى الدنيا و لا يدعوانه إلى خلاف ذلك فإذا كان كذلك فمعصيتهما طاعة و طاعتهما معصية قال الله تعالى وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ و أما في باب المصاحبة فقاربهما و ارفق بهما و احتمل أذاهما بحق ما احتملا عنك في حال صغرك و لا تضيق عنهما في ما قد وسع الله تعالى عليك من المأكول و الملبوس و لا تحول وجهك عنهما و لا ترفع صوتك فوق صوتهما فإن تعظيمهما من أمر الله و قل لهما بأحسن القول و الطف بهما فإن الله لا يضيع أجر المحسنين 
الباب الثاني و الثلاثون في التواضع 

قال الصادق ع التواضع كل شرف نفيس و مرتبة رفيعة و لو كان للتواضع لغة يفهمها الخلق لنطق عن حقائق ما في مخفيات العواقب و التواضع ما يكون لله و في الله و ما سواه مكر و من تواضع لله شرفه الله على كثير من عباده و لأهل التواضع سيماء سئل بعضهم عن التواضع قال هو أن يخضع للحق و ينقاد له و لو سمعه من صبي و كثير من أنواع الكبر يمنع من استفادة العلم و قبوله و الانقياد له و فيه وردت الآيات التي فيها ذم المتكبرين و لأهل التواضع سيماء يعرفها أهل السماوات من الملائكة و أهل الأرضين من العارفين قال الله تعالى وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ و قال تعالى أيضا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ و قال تعالى أيضا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ و قال تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ و أصل التواضع من جلال الله و هيبته و عظمته و ليس لله عز و جل عبادة يرضاها و يقبلها إلا و يأبه التواضع و لا يعرف ما في معنى حقيقة التواضع إلا المقربون من عباده المتصلين بوحدانيته قال الله عز و جل وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً و قد أمر الله تعالى أعز خلقه و سيد بريته محمدا بالتواضع فقال عز و جل وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و التواضع مزرعة الخشوع و الخضوع و الخشية و الحياء و إنهن لا يتبين إلا منها و فيها و لا يسلم الشرف التام الحقيقي إلا للمتواضع في ذات الله تعالى 
الباب الثالث و الثلاثون في الجهل 

قال الصادق ع الجهل صورة ركبت في الدنيا إقبالها ظلمة و إدبارها نور و العبد متقلب معها كتقلب الظل مع الشمس أ لا ترى إلى الإنسان تارة تجده جاهلا بخصال نفسه حامدا لها عارفا بعيبها في غيره ساخطا لها و تارة تجده عالما بطباعه ساخطا لها حامدا لها في غيره و هو متقلب بين العصمة و الخذلان فإن قابلته العصمة أصاب و إن قابله الخذلان أخطأ و مفتاح الجهل الرضا و الاعتقاد به و مفتاح العلم الاستبدال مع إصابة مرافقة التوفيق و أدنى صفة الجاهل دعواه بالعلم بلا استحقاق و أوسطه جهله بالجهل و أقصاه جحوده بالعلم و ليس شي ء إثباته حقيقة نفيه إلا الجهل في الدنيا و الحرص فالكل منهم كواحد و الواحد منهم كالكل 
الباب الرابع و الثلاثون في الأكل
 


قال الصادق ع قلة الأكل محمود في كل حال و عند كل قوم لأن فيه مصلحة للظاهر و الباطن و المحمود من المأكولات أربعة ضرورة و عدة و فتوح و قوت فالأكل الضروري للأصفياء و العدة لقوام الأتقياء و الفتوح للمتوكلين و القوت للمؤمنين و ليس شي ء أضر لقلب المؤمن من كثرته فيورث شيئين قسوة القلب و هيجان الشهوة و الجوع إدام للمؤمنين و غذاء للروح و طعام للقلب و صحة للبدن قال النبي ص ما ملأ ابن آدم وعاء أشر من بطنه و قال داود ع ترك لقمة مع الضرورة إليها أحب إلي من قيام عشرين ليلة قال رسول الله ص المؤمن يأكل في معاء واحد و المنافق في سبعة أمعاء و قال النبي ص ويل للناس من القبقبين قيل و ما هما يا رسول الله قال ص البطن و الفرج قال عيسى ابن مريم ع ما أمرض قلب بأشد من القسوة و ما اعتلت نفس بأصعب من نقص الجوع و هما زمامان للطرد و الخذلان
 
الباب الخامس و الثلاثون في الوسوسة 

قال الصادق ع لا يتمكن الشيطان بالوسوسة من العبد إلا و قد أعرض عن ذكر الله تعالى و استهان و سكن إلى نهيه و نسي اطلاعه على سره فالوسوسة ما تكون من خارج القلب بإشارة معرفة العقل و مجاورة الطبع و أما إذا تمكن في القلب فذلك غي و ضلالة و كفر و الله عز و جل دعا عباده بلطف دعوته و عرفهم عداوة إبليس فقال تعالى إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا فكن معه كالقريب مع كلب الراعي يفزع إلى صاحبه من صرفه عنه كذلك إذا أتاك الشيطان موسوسا ليضلك عن سبيل الحق و ينسيك ذكر الله تعالى فاستعذ منه بربك و بربه فإنه يؤيد الحق على الباطل و ينصر المظلوم بقوله عز و جل إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ و لن يقدر على هذا و معرفة إتيانه و مذاهب وسوسته إلا بدوام المراقبة و الاستقامة على بساط الخدمة و هيبة المطلع و كثرة الذكر و أما المهمل لأوقاته فهو صيد الشيطان لا محالة و اعتبر بما فعل بنفسه من الإغواء و الاغترار و الاستكبار حيث غره و أعجبه عمله و عبادته و بصيرته و جرأته عليه قد أورثه علمه و معرفته و استدلاله بعقله اللعنة إلى الأبد فما ظنك بنصحه و دعوته غيره فاعتصم بحبل الله الأوثق و هو الالتجاء إلى الله تعالى و الاضطرار بصحة الافتقار إلى الله في كل نفس و لا يغرنك تزيينه للطاعة عليك فإنه يفتح عليك تسعة و تسعين بابا من الخير ليظفر بك عند تمام المائة فقابله بالخلاف و الضد عن سبيله و المضادة باستهوائه 

الباب السادس و الثلاثون في العجب قال الصادق ع العجب كل العجب ممن يعجب بعمله و هو لا يدري بم يختم له فمن أعجب بنفسه و فعله فقد ضل عن منهج الرشاد و ادعى ما ليس له و المدعي من غير حق كاذب و إن خفي دعواه و طال دهره فإن أول ما يفعل بالمعجب نزع ما أعجب به ليعلم أنه عاجز حقير و يشهد على نفسه لتكون الحجة أوكد عليه كما فعل بإبليس و العجب نبات حبه الكفر و أرضه النفاق و مائه البغي و أغصانه الجهل و ورقه الضلال و ثمرته اللعنة و الخلود في النار فمن اختار العجب فقد بذر الكفر و زرع النفاق فلا بد من أن يثمر و يصير إلى النار 


الباب السابع و الثلاثون في السخاء
 قال الصادق ع السخاء من أخلاق الأنبياء و هو عماد الإيمان و لا يكون مؤمنا إلا سخيا و لا يكون سخيا إلا ذو يقين و همة عالية لأن السخاء شعاع نور اليقين من عرف ما قصد هان عليه ما بذل قال النبي ص ما جبل ولي الله إلا على السخاء و السخاء ما يقع على كل محبوب أقله الدنيا و من علامة السخاء أن لا يبالي من أكل الدنيا و من ملكها مؤمن أو كافر و مطيع أو عاص و شريف أو وضيع يطعم غيره و يجوع و يكسو غيره و يعرى و يعطي غيره و يمتنع من قبول عطاء غيره و يمن بذلك و لا يمن و لو ملك الدنيا بأجمعها لم ير نفسه فيها إلا أجنبيا و لو بذلها في ذات الله عز و جل في ساعة واحدة ما ملأ قال رسول الله ص السخي قريب من الله و قريب من الناس و قريب من الجنة بعيد من النار و البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة و قريب من النار و لا يسمى سخيا إلا الباذل في طاعة الله و لوجهه و لو كان برغيف أو شربة ماء قال النبي ص السخي بما ملك و أراد به وجه الله تعالى و أما المتسخي في معصية الله تعالى فمحال سخط الله و غضبه و هو أبخل الناس لنفسه فكيف لغيره حيث اتبع هواه و خالف أمر الله عز و جل قال الله تعالى وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ و قال النبي ص يقول ابن آدم ملكي ملكي و مالي مالي يا مسكين أين كنت حيث كان الملك و لم تكن و هل لك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت إما مرحوم به أو معاقب عليه فاعقل أن لا يكون مال غيرك أحب إليك من مالك فقد قال أمير المؤمنين ع ما قدمت فهو للمالكين و ما أخرت فهو للوارثين و ما معك ليس لك عليه سبيل سوى الغرور به كم تسعى في طلب الدنيا و كم تدعي أ فتريد أن تفقر نفسك و تغني غيرك 


الباب الثامن و الثلاثون في الحساب 
قال الصادق ع لو لم يكن للحساب محولة إلا حياء العرض على الله تعالى و فضيحة هتك الستر على المخفيات لحق للمرء أن لا يهبط من رءوس الجبال و لا يأوي إلى عمران و لا يأكل و لا يشرب و لا ينام إلا عن اضطرار متصل بالتلف و مثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها و شدائدها قائمة في كل نفس و يعاين بالقلب بالوقوف بين يدي الجبار حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة كأنه إلى عرصاتها مدعو و في غمراتها مسئول قال الله تعالى وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ و قال بعض الأئمة حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم بميزان الحياء قبل أن توزنوا و قال أبو ذر ره ذكر الجنة موت و ذكر النار موت فوا عجبا لنفس تحيا بين موتين و روي عن يحيى بن زكريا ع أنه كان يفكر في طول الليل في أمر الجنة و النار فيسهر ليلته و لا يأخذه النوم ثم يقول عند الصباح اللهم أين المفر و أين المستقر اللهم لا مفر إلا إليك 


الباب التاسع و الثلاثون في افتتاح الصلاة 
قال الصادق ع إذا استقبل القبلة فآيس من الدنيا و ما فيها و الخلق و ما هم فيه و فرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله تعالى و عاين بسرك عظمة الله عز و جل و اذكر وقوفك بين يديه قال الله تعالى هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ و قف على قدم الخوف و الرجاء فإذا كبرت فاستصغر ما بين السماوات العلى و الثرى دون كبريائه فإن الله تعالى إذا اطلع على قلب العبد و هو يكبر و في قلبه عارض عن حقيقة تكبيره فقال يا كذاب أ تخدعني و عزتي و جلالي لأحرمنك حلاوة ذكري و لأحجبنك عن قربي و المسرة بمناجاتي و اعلم أنه تعالى غير محتاج إلى خدمتك و هو غني عنك و عن عبادتك و دعائك و إنما دعاك بفضله ليرحمك و يبعدك عن عقوبته و ينشر عليك من بركات حنانيته و يهديك إلى سبيل رضاه و يفتح عليك باب مغفرته فلو خلق الله عز و جل على ضعف ما خلق من العوالم أضعافا مضاعفة على سرمد الأبد لكان عند الله سواء أ كفروا به بأجمعهم أو وحدوه فليس له من عبادة الخلق إلا إظهار الكرم و القدرة فاجعل الحياء رداء و العجز إزارا و ادخل تحت سرير سلطان الله تعالى تغتنم فوائد ربوبيته مستعينا به مستغيثا إليهالباب الأربعون في الركوع 

قال الصادق ع لا يركع عبد الله ركوعا على الحقيقة إلا زينه الله بنور بهائه و أظله في ظلال كبريائه و كساه كسوة صفائه و الركوع أول و السجود ثان فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني و في الركوع أدب و في السجود قرب و من لا يحسن للأدب لا يصلح للقرب فاركع ركوع خاضع لله عز و جل متذلل بقلبه وجل تحت سلطانه خافض لله بجوارحه خفض خائف حزين على ما يفوته من فوائد الراكعين و حكي أن ربيع بن خثيم ره كان يسهر بالليل إلى الفجر في ركوع واحد فإذا أصبح تزفر و قال أوه سبق المخلصون و اقطع بنا و استوف ركوعك باستواء ظهرك و انحط عن همتك في القيام بخدمته إلا بعونه و فر بالقلب من وسوسة الشيطان و خدائعه و مكايده فإن الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له و يهديهم إلى أصول التواضع و الخضوع و الخشوع بقدر اطلاع عظمته على سرهم 
الباب الواحد و الأربعون في السجود 

قال الصادق ع ما خسر و الله تعالى قط من أتى بحقيقة السجود و لو كان في عمره مرة واحدة و ما أفلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال شبيها بمخادع نفسه غافلا لاهيا عما أعد الله تعالى للساجدين من البشر العاجل و راحة الأجل و لا بعد عن الله تعالى أبدا من أحسن تقربه في السجود و لا قرب إليه أبدا من أساء أدبه و ضيع حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال السجود فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم أنه خلق من تراب يطؤه الخلق و أنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد و كون و لم يكن و لقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب و السر و الروح فمن قرب منه بعد عن غيره أ لا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع الأشياء و الأحجاب عن كل ما تراه العيون كذلك أراد الله تعالى أمر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشي ء دون الله تعالى فهو قريب من ذلك الشي ء بعيد عن حقيقة ما أراد الله تعالى منه في صلاته قال الله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ و قال رسول الله ص قال الله عز و جل ما أطلع على قلب عبد فأعلم فيه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي و ابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه و سياسته و تقربت منه و من اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزءين بنفسه اسمه مكتوب في ديوان الخاسرين 
الباب الثاني و الأربعون في التشهد 

قال الصادق ع التشهد ثناء على الله فكن عبدا له في السر خاشعا خاضعا له في الفعل كما أنك عبد له بالقول و الدعوى و صل صدق لسانك بصفاء صدق سرك فإنه خلقك عبدا و أمرك أن تعبده بقلبك و لسانك و جوارحك و أن تحقق عبوديتك له بربوبيته لك و تعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس و لا لحظة إلا بقدرته و مشيئته و هم عاجزون عن إتيان أقل شي ء في مملكته إلا بإذنه و إرادته قال الله تعالى وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من أمرهم سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ فكن لله عبدا ذاكرا بالقول و الدعوى و صل صدق لسانك بصفاء سرك فإنه خلقك فعز و جل أن تكون إرادة و مشيئة لأحد إلا بسابق إرادته و مشيئته فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته و بالعبادة في أداء أوامره و قد أمرك بالصلاة على حبيبه النبي محمد ص فأوصل صلاته بصلاته و طاعته بطاعته و شهادته بشهادته و انظر لا يفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فائدة صلاته و أمره بالاستغفار لك و الشفاعة فيك إن أتيت بالواجب في الأمر و النهي و السنن و الآداب و تعلم جليل مرتبته عند الله عز و جل 
الباب الثالث و الأربعون في السلام 

قال الصادق ع معنى التسليم في دبر كل صلاة معنى الأمان أي من أتى بأمر الله تعالى و سنة نبيه ص خاضعا له خاشعا فيه فله الأمان من بلاء الدنيا و البراءة من عذاب الآخرة و السلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه في خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات و الأمانات و الإلصاقات و تصديق مصاحبتهم و مجالستهم فيما بينهم و صحة معاشرتهم فإن أردت أن تضع السلام موضعه و تؤدي معناه فاتق الله تعالى و ليسلم دينك و قلبك و عقلك لا تدنسها بظلم المعاصي و لتسلم منك حفظتك لا تبرمهم و لا تملهم و توحشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم مع صديقك ثم مع عدوك فإن من لم يسلم منه من هو أقرب إليه فالأبعد أولى و من لا يضع السلام مواضعه هذه فلا سلام و لا تسليم و كان كاذبا في سلامه و إن أفشاه في الخلق و اعلم أن الخلق بين فتن و محن في الدنيا إما مبتلى بالنعمة ليظهر شكره و إما مبتلى بالشدة ليظهر صبره و الكرامة في طاعته و الهوان في معصيته و لا سبيل إلى رضوانه و رحمته إلا بفضله و لا وسيلة إلى طاعته إلا بتوفيقه و لا شفيع إليه لا بإذنه و رحمته 
الباب الرابع و الأربعون في التوبة 

قال الصادق ع التوبة حبل الله و مدد عنايته و لا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال و كل فرقة من العباد لهم توبة فتوبة الأنبياء من اضطراب السر و توبة الأولياء من تلوين الخطرات و توبة الأصفياء من التنفيس و توبة الخاص من الاشتغال بغير الله تعالى و توبة العام من الذنوب و لكل واحد منهم معرفة و علم في أصل توبته و منتهى أمره و ذلك يطول شرحه هاهنا فأما توبة العام فأن يغسل باطنه بماء الحسرة و الاعتراف بجنايته دائما و اعتقاد الندم على ما مضى و الخوف على ما بقي من عمره و لا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل و يديم البكاء و الأسف على ما فاته من طاعة الله و يحبس نفسه عن الشهوات و يستغيث إلى الله تعالى ليحفظه على وفاء توبته و يعصمه عن العود إلى ما أسلف و يراوض نفسه في ميدان الجهل و العبادة و يقضي عن الفوائت من الفرائض و يرد المظالم و يعتزل قرناء السوء و يسهر ليله و يظمأ نهاره و يتفكر دائما في عاقبته و يستعين بالله سائلا منه الاستقامة و سراءه و ضراءه و ثبت عند المحن و البلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين فإن في ذلك طهارة من ذنوبه و زيادة في علمه و رفعة في درجاته قال الله تعالى شأنه العزيز فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ 
الباب الخامس و الأربعون في العزلة 

قال الصادق ع صاحب العزلة متحصن بحصن الله تعالى و متحرس بحراسته فيا طوبى لمن تفرد به سرا و علانية و هو يحتاج إلى عشرة خصال علم الحق و الباطل و تحبب الفقر و اختيار الشدة و الزهد و اغتنام الخلوة و النظر في العواقب و رؤية التقصير في العبادة مع بذل المجهود و ترك العجب و كثرة الذكر بلا غفلة فإن الغفلة مصطاد الشيطان و رأس كل بلية و سبب كل حجاب و خلوة البيت عما لا يحتاج إليه في الوقت قال عيسى ابن مريم ع أحرز لسانك لعمارة قلبك و ليسعك بيتك و احذر من الرياء و فضول معاشك و استح من ربك و ابك على خطيئتك و فر من الناس فرارك من الأسد و الأفعى فإنهم كانوا دواء فصاروا اليوم داء ثم الق الله تعالى متى شئت قال ربيع بن خيثم إن استطعت أن تكون اليوم في موضع لا تعرف و لا تعرف فافعل ففي العزلة صيانة الجوارح و فراغ القلب و سلامة العيش و كسر سلاح الشيطان و مجانبة من كل سوء و راحة القلب و ما من نبي و لا وصي إلا و اختار العزلة في زمانه إما في ابتدائه و إما في انتهائه 
الباب السادس و الأربعون في الصمت 

قال الصادق ع الصمت شعار المحققين بحقائق ما سبق و جف القلم به و هو مفتاح كل راحة من الدنيا و الآخرة و فيه رضى الله و تخفيف الحساب و الصون من الخطايا و الزلل و قد جعله الله سترا على الجاهل و زينا للعالم و معه عزل الهوى و رياضة النفس و حلاوة العبادة و زوال قسوة القلب و العفاف و المروءة و الظرف فأغلق باب لسانك عما لك منه بد لا سيما إذا لم تجد أهلا للكلام عدا المذاكرة لله و في الله و كان ربيع بن خيثم يضع قرطاسا بين يديه فيكتب كل ما يتكلم به ثم يحاسب نفسه في عشيته ما له و ما عليه و يقول آه آه نجا الصامتون يقينا و كان بعض أصحاب رسول الله ص يضع الحصاة في فمه فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه لله و في الله و لوجه الله أخرجها من فمه و إن كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتنفسون تنفس الغرقى و يتكلمون شبيه المرضى و إنما سبب هلاك الخلق و نجاتهم الكلام و الصمت فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام و صوابه و علم الصمت و فوائده فإن ذلك من أخلاق الأنبياء و شعار الأصفياء و من علم قدر الكلام أحسن صحبة الصمت و من أشرف على ما في لطائف الصمت و ائتمنه على خزائنه كان كلامه و صمته كله عبادة و لا يطلع على عبادته هذه إلا الملك الجبار 
الباب السابع و الأربعون في العقل و الهوى
 


قال الصادق ع العاقل من كان ذلولا عند إجابة الحق منصفا بقوله حموصا عند الباطل خصيما بقوله يترك دنياه و لا يترك دينه و دليل العاقل شيئان صدق القول و صواب الفعل و العاقل لا يحدث بما ينكره العقول و لا يتعرض للتهمة و لا يدع مدادات من ابتلي به و يكون العلم دليله في أعماله و الحلم رفيقه في أحواله و المعرفة يقينه في مذاهبه و الهوى عدو العقل و مخالف الحق و قرين الباطل و قوة الهوى من الشهوات و أصل علامات الهوى من أكل الحرام و الغفلة عن الفرائض و الاستهانة بالسنن و الخوض في الملاهي 
الباب الثامن و الأربعون في الحسد 


قال الصادق ع الحاسد يضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة و لآدم ع الاجتباء و الهدى و الرفع إلى محل حقائق العهد و الاصطفاء فكن محسودا و لا تكن حاسدا فإن ميزان الحاسد أبدا خفيف بثقل ميزان المحسود و الرزق مقسوم فما ذا ينفع الحسد الحاسد و ما ذا يضر المحسود الحسد و الحسد أصله من عمى القلب و الجحود بفضل الله تعالى و هما جناحان للكفر و بالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد و هلك مهلكا لا ينجو منه أبدا و لا توبة للحاسد لأنه مستمر عليه معتقد به مطبوع فيه يبدو بلا معارض مضر له و لا سبب و الطبع و لا يتغير من الأصل و إن عولج

الباب التاسع و الأربعون في الطمع 
قال الصادق ع بلغني أنه سئل كعب الأحبار ما الأصلح في الدين و ما الأفسد فقال الأصلح الورع و الأفسد الطمع فقال له السائل صدقت يا كعب و الطمع خمر الشيطان يسقي بيده لخواصه فمن سكر منه لا يصحى إلا في أليم عذاب الله تعالى بمجاورة ساقيه و لو لم يكن في الطمع سخطه إلا مثارات الدين بالدنيا لكان سخطا عظيما قال الله عز و جل أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ قال أمير المؤمنين ع تفضل على من شئت فأنت أميره فاستعن عمن شئت فأنت نظيره فافتقر إلى من شئت فأنت أسيره و الطامع منزوع عنه الإيمان و هو لا يشعر لأن الإيمان يحجز بين العبد و الطمع في الخلق فيقول يا صاحبي خزائن الله تعالى مملوءة من الكرامات و هو لا يضيع أجر من أحسن عملا و ما في أيدي الناس مشوب بالعلل و يرده إلى التوكل و القناعة و قصر الأمل و لزوم الطاعة و اليأس من الخلق فإن فعل ذلك لزمه فقد صلح و إن لم يفعل ذلك تركه مع شؤم الطبع و فارقه
 


الباب الخمسون في الفساد 
قال الصادق ع فساد الظاهر من فساد الباطن و من أصلح سريرته أصلح الله علانيته و من خاف الله في السر لم يهتك الله علانيته و من خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية و أعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله تعالى و هذا الفساد يتولد من طول الأمل و الحرص و الكبر كما أخبر الله تعالى في قصة قارون في قوله تعالى وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ و قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً إلى آخرها و كانت هذه الخصال من صنع قارون و اعتقاده و أصلها من حب الدنيا و جمعها و متابعة النفس و إقامة شهواتها و حب المحمدة و موافقة الشيطان و اتباع خطواته و كل ذلك يجتمع بحب الغفلة عن الله و نسيان مننه و عدا ذلك الفرار من الناس و رفض الدنيا و طلاق الراحة و الانقطاع عن العادات و قطع عروق منابت الشهوات بدوام الذكر لله عز و جل و لزوم الطاعة له و احتمال جفاء الخلق و ملازمة القرين و شماتة العدو من الأهل و القرابة فإذا فعلت ذلك فقد فتحت عليك باب عطف الله و حسن نظره إليك بالمغفرة و الرحمة و أخرجت من جملة الغافلين و فككت قلبك من أسر الشيطان و قدمت باب الله في معشر الواردين إليه و سلكت مسلكا رجوت الإذن بالدخول على الكريم الجواد الكريم الرحيم 


الباب الواحد و الخمسون في السلامة 
قال الصادق ع اطلب السلامة أينما كنت و في أي حال كنت لدينك و قلبك و عواقب أمورك من الله عز و جل فليس من طلبها وجدها فكيف من تعرض للبلاء و سلك مسالك ضد السلامة و خالف أصولها بل رأى السلامة تلفا و التلف سلامة و السلامة قد عزلت من الخلق في كل عصر خاصة في هذا الزمان و سبيل وجودها في احتمال جفاء الخلائق و أذيتهم و الصبر عند الرزايا و خفة الموت و الفرار من الأشياء التي تلزمك رعايتها و القناعة بالأقل من الميسور فإن لم تكن فالعزلة فإن لم تقدر فالصمت و ليس كالعزلة فإن لم تستطع فالكلام بما ينفعك و لا يضرك و ليس كالصمت فإن لم تجد السبيل إليه فالانقلاب في الأسفار من بلد إلى بلد و طرح النفس في براري التلف بسر صاف و قلب خاشع و بدن صابر قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا و تنتهز مغنم عباد الله الصالحين و لا تنافس الأشكال و لا تنازع الأضداد و من قال لك أنا فقل أنت و لا تدع شيئا و إن أحاط به علمك و تحققت به معرفتك و لا تكشف سرك إلا لمن هو أشرف منك في الدين فتجد الشرف فإن فعلت ذلك أصبت السلامة و بقيت مع الله عز و جل بلا علاقة 


الباب الثاني و الخمسون في العبادة 
قال الصادق ع داوم على تخليص المفروضات و السنن فإنهما الأصل فمن أصابهما و أداهما بحقهما فقد أصاب الكل و إن خير العبادة أقربها بالأمن و أخلصها من الآفات و أدومها و إن أقل فإن سلم لك فرضك و سننك فأنت عابد و احذر إن تطأ بساط ملك إلا بالذل و الافتقار و الخشية و التعظيم و أخلص حركاتك من الرياء و سرك من القساوة فإن النبي ص قال المصلي مناج ربه فاستح من المطلع على سرك و العالم بنجواك و ما يخفي ضميرك و كن بحيث يراك لما أراد منك و دعاك إليه فكان السلف لا يزالون يشغلون من وقت الفرائض إلى وقت الفرض في إصلاح الفرضين جميعا في إخلاص حتى يأتوا بالفرضين جميعا و أرى الدولة في هذا الزمان للفضائل على ترك الفرائض كيف يكون جسدا بلا روح قال علي بن الحسين ع عجبت لطالب فضيلة تارك فريضة و ليس ذلك إلا لحرمان معرفة الأمر و تعظيمه و ترك رؤية مشيئته بما أهلهم لأمره و اختارهم له 


الباب الثالث و الخمسون في التفكر 
قال الصادق ع اعتبر بما مضى من الدنيا هل ما بقي على أحد هل أحد فيها باق من الشريف و الوضيع و الغني و الفقير و الولي و العدو فكذلك ما لم يأت منها بما مضى أشبه من الماء بالماء قال رسول الله ص كفى بالموت واعظا و بالعقل دليلا و بالتقوى زادا و بالعبادة شغلا و بالله مؤنسا و بالقرآن بيانا قال رسول الله ص لم يبق من الدنيا إلا بلاء و فتنة و ما نجا من نجا إلا بصدق الالتجاء و قال نوح ع وجدت الدنيا كبيت له بابان دخلت من إحداهما و خرجت من الآخر هذا حال نجي الله ع فكيف حال من اطمأن فيها و ركن إليها و ضيع عمره في عمارتها و مزود في طلبها و الفكرة مرآة الحسنات و كفارة السيئات و ضياء القلب و فسحة للخلق و إصابة في إصلاح المعاد و اطلاع على العواقب و استزادة في العلم و هي خصلة لا يعبد الله بمثلها قال رسول الله ص فكرة ساعة خير من عبادة سنة و لا ينال منزلة التفكر إلا من قد خصه الله بنور المعرفة و التوحيد 

الباب الرابع و الخمسون في الراحة قال الصادق ع لا راحة لمؤمن على الحقيقة إلا عند لقاء الله تعالى و ما سوى ذلك ففي أربعة أشياء صمت تعرف به حال قلبك و نفسك فيما يكون بينك و بين بارئك و خلوة تنجو بها من آفات الزمان ظاهرا و باطنا و جوع تميت به الشهوات و الوسواس و سهر تنور به قلبك و تصفي به طبعك و تزكي به روحك قال النبي ص من أصبح في سربه آمنا و في بدنه معافا و عنده قوت يومه فكأنما خيرت له الدنيا بحذافيرها و قال وهب بن منبه في كتب الأولين و الآخرين مكتوب يا قناعة العز و الغنى معك فاز من فاز بك قال أبو الدرداء ما قسم الله لي ما يفوتني و لو كان في جناح ريح و قال أبو ذر ره هتك سر من لا يثق بربه و لو كان محبوسا في الصم الصياخيد فليس أحد أخسر و أرذل و أنزل ممن لا يصدق ربه فيما ضمن له و تكفل به من قبل أن خلقه و هو مع ذلك يعتمد على قوته و تدبيره و جهده و سعيه و يتعدى حدود ربه بأسباب قد أغناه الله تعالى لها 


الباب الخامس و الخمسون في الحرص 
قال الصادق ع لا تحرص على شي ء لو تركته لوصل إليك و كنت عند الله تعالى مستريحا محمودا بتركه و مذموما باستعجالك في طلبه و ترك التوكل عليه و الرضا بالقسم فإن الدنيا خلقها الله تعالى بمنزلة الظل إن طلبته أتعبك و لا تلحقه أبدا و إن تركته تبعك و أنت مستريح قال النبي ص الحريص محروم و هو مع حرمانه مذموم في أي كان و كيف لا يكون محروما و قد فر من وثاق الله تعالى عز و جل و خالف قول الله تعالى الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ و الحريص بين سبع آفات صعبة فكر يضر بدنه و لا ينفعه و هم لا يتم له أقصاه و تعب لا يستريح منه إلا عند الموت و يكون عند الراحة أشد تعبا و خوف لا يورثه إلا الوقوع فيه و حزن قد كدر عليه عيشه بلا فائدة و حساب لا مخلص له معه من عذاب الله تعالى إلا أن يعفو الله عنه و عقاب لا مفر له منه و لا حيلة و المتوكل على الله تعالى يصبح و يمسي في كنف الله تعالى منه و هو في عافية و قد عجل الله كفايته و هيأ له من الدرجات ما الله تعالى به عليم و الحرص ما يجري في منافذ غضب الله تعالى و ما لم يحرم العبد اليقين لا يكون حريصا و اليقين أرض الإسلام و سماء الإيمان 

الباب السادس و الخمسون في البيان  قال الصادق ع نجوى العارفين تدور على ثلاثة أصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة فدليل الخوف الهرب و دليل الرجاء الطلب و دليل الحب إيثار المحبوب على ما سواه فإذا تحقق العلم في الصدق خاف و إذا صح الخوف هرب و إذا هرب نجا و إذا أشرف نور اليقين في القلب شاهد الفضل و إذا تمكن من رؤية الفضل رجا و إذا وجد حلاوة الإيمان الرجاء طلب و إذا وفق للطلب وجد و إذا تجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و إذا هاج ريح المحبة و استأنس في ظلال المحبوب و أثر المحبوب على ما سواه و باشر أوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما على كل شي ء غيرهما و إذا استقام على بساط الأنس بالمحبوب مع أداء أوامره و اجتناب معاصيه و نواهيه وصل إلى روح المناجاة و القرب و مثال هذه الأصول الثلاثة كالحرم و المسجد و الكعبة فمن دخل الحرم أمن من الخلق و من دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها في المعصية و من دخل الكعبة أمن قلبه من أن يشغله بغير ذكر الله تعالى فانظر أيها المؤمن فإن كانت حالتك حالة ترضاها لحلول الموت فاشكر الله تعالى على توفيقه و عصمته و إن كانت أخرى فانتقل عنها بصحيح العزيمة و اندم على ما قد سلف من عمرك في الغفلة و استعن بالله تعالى على تطهير الظاهر من الذنوب و تنظيفك الباطن من العيوب و اقطع رباط الغفلة عن قلبك و أطفئ نار الشهوة من نفسكالباب السابع و الخمسون في الأحكام 

قال الصادق ع إعراب القلوب على أربعة أنواع رفع و فتح و خفض و وقف فرفع القلب في ذكر الله تعالى و فتح القلب في الرضا عن الله تعالى و خفض القلب في الاشتغال بغير الله و وقف القلب في الغفلة عن الله تعالى أ لا ترى أن العبد إذا ذكر الله بالتعظيم خالصا ارتفع كل حجاب كان بينه و بين الله تعالى من قبل ذلك فإذا انقاد القلب لمورد قضاء الله تعالى بشرط الرضا عنه كيف ينفتح بالسرور و الروح و الراحة و إذا اشتغل القلب بشي ء من أمور الدنيا و أسبابها كيف تجد ما ذا ذكر الله بعد ذلك و أناب منخفضا مظلما كبيت خراب خلو ليس فيها عمران و لا مؤنس و إذا غفل عن ذكر الله تعالى كيف تراه بعد ذلك موقوفا محجوبا قد قسا و أظلم منذ فارق نور التعظيم فعلامة الرفع ثلاثة أشياء وجوه الموافقة و فقد المخالفة و دوام الشوق و علامة الفتح ثلاثة أشياء التوكل و الصدق و اليقين و علامة الخفض ثلاثة أشياء العجب و الرياء و الحرص و علامة الوقف ثلاثة أشياء زوال حلاوة الطاعة و عدم مرارة المعصية و التباس العلم الحلال و الحرام 
الباب الثامن و الخمسون في السواك 

قال الصادق ع قال رسول الله ص السواك مطهر للفم مرضاة للرب و جعلها من السنن المؤكدة و فيها منافع للظاهر و الباطن ما لا يحصى لمن عقل فكما تزيل التلوث من أسنانك مأكلك و مطعمك بالسواك كذلك نازل نجاسة ذنوبك بالتضرع و الخشوع و التهجد و الاستغفار بالأسحار و طهر ظاهرك من النجاسات و باطنك من كدورات المخالفات و ركوب المناهي كلها خالصا لله فإن النبي ص ضرب باستعمالها مثلا لأهل التنبه و اليقظة و هو أن السواك نبات لطيف نظيف و غصن شجر مبارك و الأسنان خلق خلقه الله تعالى في الفم آلة للأكل و أداة للمضغ و سببا لاشتهاء الطعام و إصلاح المعدة و هي جوهرة صافية تتلوث بصحبته تمضيغ الطعام و تتغير بها رائحة الفم و يتولد منها الفساد في الدماغ فإذا استاك المؤمن الفطن بالنبات اللطيف و مسحها على الجوهرة الصافية أزال عنها الفساد و التغير و عادت إلى أصلها كذلك خلق الله القلب طاهرا صافيا و جعل غذاءه الذكر و الفكر و الهيبة و التعظيم و إذا شيب القلب الصافي بتغذيته بالغفلة و الكدر صقل بمصقلة التوبة و نظفت بماء الإنابة ليعود حالته الأولى و جوهرة الأصلية قال الله تبارك و تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ قال النبي ص و عليكم بالسواك فإن النبي ص مصباح الشريعة ص : 125أمر بالسواك في ظاهر الأسنان و أراد هذا المعنى و المثل و من أناخ تفكره على باب عتبة العبرة في استخراج مثل هذه الأمثال في الأصل و الفرع فتح الله له عيون الحكمة و المزيد من فضله و الله لا يضيع أجر المحسنين 
الباب التاسع و الخمسون في التبزر 

قال الصادق ع إنما سمي المستراح مستراحا لاستراحة الأنفس من أثقال النجاسات و استفراغ الكثافات و القذر فيها و المؤمن يعتبر عندها أن الخالص من الطعام و الحطام الدنيا كذلك يصير عاقبته فيستريح بالعدول عنها و بتركها و يفرغ نفسه و قلبه من شغل و يستنكف عن جمعها و أخذها استنكافة عن النجاسة و الغائط و القذر و يتفكر في نفس المكرمة في حال كيف تصير ذليلا في حال و يعلم أن التمسك بالقناعة و التقوى يورث له راحة الدارين فإن الراحة من هوان الدنيا و الفراغ من التمتع بها و في إزالة النجاسة من الحرام و الشبهة فينطق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها و يفر من الذنوب و يفتح باب التواضع و الندم و الحياء و يجتهد في أداء أوامره و اجتناب نواهيه طلبا لحسن المآب و طيب الزلفى و يسجن نفسه في سجن الخوف و الصبر و الكف عن الشهوات إلى أن يتصل بأمان الله تعالى في دار القرار و يذوق طعم رضاه فإن المعول ذلك و ما عداه فلا شي ء 
الباب الستون في الطهارة 

قال الصادق ع إذا أردت الطهارة و الوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله تعالى فإن الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته و مناجاته و دليلا إلى بساط خدمته و كما أن رحمة الله تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غير قال الله تعالى وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً و قال الله تعالى وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ فكما أحيا به كل شي ء من نعيم الدنيا كذلك مصباح الشريعة ص : 129برحمته و فضله جعل حياة القلب و الطاعات و التفكر في صفاء الماء و رقته و طهره و بركته و لطيف امتزاجه بكل شي ء و استعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها و تعبدك بأدائها في فرائضه و سننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة فإذا استعملها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شي ء حقه و لا يتغير عن معناه معبرا لقول الرسول ص مثل المؤمن المخلص كمثل الماء و لتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء و سماه طهورا و طهر قلبك بالتقوى و اليقين عند طهارة جوارحك بالماء الباب الواحد و الستون في دخول المسجد 

قال الصادق ع إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قد قصدت باب ملك عظيم لما يطأ بساطه إلا المطهرون و لا يؤذن لمجالسته إلا الصديقين فتهب القدوم إلى بساط هيبة الملك فإنك على خطر عظيم إن غفلت فاعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل و الفضل معك و بك فإن عطف عليك برحمته و فضله قبل منك يسير الطاعة و أجزل لك عليها ثوابا كثيرا و إن طالبك باستحقاقه الصدق و الإخلاص عدلا بك حجبك و رد طاعتك و إن كثرت و هو فعال لما يريد و اعترف بعجزك و تقصيرك و انكسارك و فقرك بين يديه فإنك قد توجهت للعبادة له و المؤانسة به و اعرض عليه و لتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين و علانيتهم و كن كأفقر عباده بين يديه و أخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فإنه لا يقبل إلا الأطهر و الأخلص انظر من أي ديوان يخرج اسمك فإن ذقت حلاوة مناجاته و لذيد مخاطباته و شربت بكأس رحمته و كراماته من حسن إقباله عليك و إجابته فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الإذن و الأمان و إلا فقف وقوف من قد انقطع عنه الحيل و قصر عنه الأمل و قضى عليه الأجل فإن علم الله عز و جل من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة و الرحمة و اللطف و وفقك لما يحب و يرضى فإنه كريم يحب الكرامة و عبادة المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته قال الله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ 

الباب الثاني و الستون في الدعاء قال الصادق ع احفظ أدب الدعاء و انظر من تدعو كيف تدعو و لما ذا تدعو و حقق عظمة الله و كبرياءه و عاين بقلبك علمه بما في ضميرك و اطلاعه على سرك و ما تكن و ما تكون فيه من الحق و الباطل و اعرف طرق نجاتك و هلاكك كيلا تدعو الله تعالى بشي ء عسى فيه هلاكك و أنت تظن أن فيه نجاتك قال الله تعالى وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا و تفكر ما ذا تسأل و لما ذا تسأل و الدعاء استجابة الكل منك للحق و تذويبا لمهجة في مشاهدة الرب و ترك الاختيار جميعا و تسليم الأمور كلها ظاهرا و باطنا إلى الله تعالى فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنظر الإجابة فإنه يعلم السر و أخفى فلعلك تدعوه بشي ء قد علم من سرك خلاف ذلك قال بعض الصحابة لبعضهم أنتم تنتظرون المطر و أنا أنتظر الحجر و اعلم أنه لو لم يكن الله أمرنا بالدعاء لكان إذا أخلصنا الدعاء تفضل علينا بالإجابة فكيف قد ضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء و سئل رسول الله ص عن اسم الله الأعظم فقال ص كل اسم من أسماء الله أعظم ففرغ قلبك عن كل ما سواه و ادعه تعالى بأي اسم شئت فليس لله في الحقيقة اسم دون اسم بل هو الله الواحد القهار قال النبي ص إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب لاه قال الصادق ع إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم و لا يكن رجاه إلا من عند الله عز و جل فإذا علم الله تعالى ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه فإذا أتيت بما ذكرت لك من شرائط الدعاء و أخلصت سرك لوجهه فأبشر بإحدى ثلاث إما أن يعجل لك ما سألت و إما أن يدخر لك ما هو أفضل منه و إما أن يصرف منك من البلاء ما لو أرسله إليك لهلكك قال النبي ص قال الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين قال الصادق ع لقد دعوت الله مرة فاستجاب لي و نسيت الحاجة لأن استجابته بإقباله على عبده عند دعوته أعظم و أجل مما يريد منه العبد و لو كانت الجنة و نعيمها الأبدي و ليس يعقل ذلك إلا العاملون المحبون العارفون صفوة لله و خواصه 

الباب الثالث و الستون في الصوم 
قال الصادق ع قال النبي ص الصوم جنة من آفات الدنيا و حجاب من عذاب الآخرة فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات و قطع الهمة عن خطوات الشيطان و الشياطين و أنزل نفسك منزلة المرضى لا تشتهي طعاما و لا شرابا و توقع في كل لحظة شفاك من مرض الذنوب و طهر باطنك من كل كذب و كدر و غفلة و ظلمة يقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله تعالى قيل لبعضهم إنك ضعيف و إن الصيام يضعفك قال إني أعده بشر يوم طويل و الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه و قال رسول الله ص قال تعالى الصوم لي و أنا أجزي به و الصوم يميت مراد النفس و شهوة الطمع و فيه صفاء القلب و طهارة الجوارح و عمارة الظاهر و الباطن و الشكر على النعم و الإحسان إلى الفقراء و زيادة التضرع و الخشوع و البكاء و جل الالتجاء إلى الله تعالى و سبب انكسار الهمة و تخفيف السيئات و تضعيف الحسنات و فيه من الفوائد ما لا يحصى و كفى بما ذكرناه منه لمن عقله و وفق لاستعماله إن شاء الله تعالى
 


الباب الرابع و الستون في الزهد 
قال الصادق ع الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كل شي ء يشغلك عن الله تعالى من غير تأسف على فوتها و لا إعجاب في تركها و لا انتظار فرج منها و لا تطلب محمدة عليها و لا غرض لها بل يرى فوتها راحة و كونها آفة و يكون أبدا هاربا من الآفة معتصما بالراحة الزاهد الذي يختار الآخرة و الذل على العز و الدنيا و الجهد على الراحة و الجوع على الشبع و عافية الأجل على المحنة العاجل و الذكر على الغفلة و تكون نفسه في الدنيا و قلبه في الآخرة 

قال رسول الله ص حب الدنيا رأس كل خطيئة و قال رسول الله ص الدنيا جيفة و طالبها كلاب أ لا ترى كيف أحب ما أبغضه الله و أي خطيئة أشد جرما من هذا قال بعض أهل البيت لو كانت الدنيا بأجمعها لقمة في فم طفل لرحمناه فكيف حال من نبذ حدود الله تعالى وراء ظهوره في طلبها و الحرص عليها و الدنيا دار لو حسنت سكناها لما رحمتك و لما أجبتك و أحسنت وداعك قال رسول الله ص لما خلق الله تعالى الدنيا أمرها بطاعته فأطاعت ربها فقال لها خالفي من طلبك و واقفي من خالفك و هي على ما عهد الله إليها و طبعها بها 
الباب الخامس و الستون في صفة الدنيا
 


الدنيا بمنزلة صورة رأسها الكبر و عينها الحرص و أذنها الطمع و لسانها الرياء و يدها الشهوة و رجلها العجب و قلبها الغفلة و كونها الفناء و حاصلها الزوال فمن أحبها أورثته الكبر و من استحسنها أورثته الحرص و من طلبها أورثته الطمع و من مدحها ألبسته الرياء و من أرادها مكنته من العجب و من ركن إليها أولته الغفلة و من أعجبه متاعها أفتنته و لا تبقى له و من جمعها و بخل بها ردتها إلى مستقرها و هي النار
 

الباب السادس و الستون في المتكلف قال الصادق ع المتكلف متخلف عن الصواب و إن أصاب و المتطوع مصيب و إن أخطأ و المتكلف لا يستجلب في عاقبة أمره إلا الهوان و في الوقت إلا التعب و العناء و الشقاء و المتكلف ظاهره رياء و باطنه نفاق و هما جناحان يطير بهما المتكلف و ليس في الجملة من أخلاق الصالحين و لا من شعار المؤمنين المتكلف في أي باب كان قال الله تعالى لنبيه ص قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ قال ص نحن معاشر الأنبياء و الأتقياء و الأمناء براء من المتكلف فاتق الله تعالى و استقم نفسك عن التكلف فيطبعك بطباع الإيمان و لا تشتغل بلباس آخره البلاء و طعام آخره الخلاء و دار آخره الخراب و مال آخره الميراث و إخوان آخرهم الفراق و عز آخره الذل و وفاء آخره الجفاء و عيش آخره الحسرة 

الباب السابع و الستون في الغرور  قال الصادق ع المغرور في الدنيا مسكين و في الآخرة مغبون لأنه باع الأفضل بالأدنى و لا تعجب من نفسك فربما اغتررت بمالك و صحة جسدك لعلك أن تبقى و ربما اغتررت بطول عمرك و أولادك و أصحابك لعلك تنجو بهم و ربما اغتررت بجمالك و منبتك و إصابتك مأمولك و هواك فظننت أنك صادق و مصيب و ربما اغتررت بما تري الخلق من الندم على تقصيرك في العبادة و لعل الله تعالى يعلم من قلبك بخلاف ذلك و ربما أقمت نفسك على العبادة متكلفا و الله يريد الإخلاص و ربما توهمت أنك تدعو الله و أنت تدعو سواه و ربما حسبت أنك ناصح للخلق و أنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك و ربما ذممت نفسك و أنت تمدحها على الحقيقة و اعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور و التمني إلا بصدق الإنابة إلى الله تعالى و الإخبار له و معرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل و العلم و لا يحتمله الدين و الشريعة و سنن القدوة و أئمة الهدى و إن كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد أشقى بعلمه و عمله منك و أضيع عمرا فأورثت حسرة يوم القيامةالباب الثامن و الستون في صفة المنافق 

قال الصادق ع المنافق قد رضي ببعده عن رحمة الله تعالى لأنه يأتي بأعماله الظاهرة شبيها بالشريعة و هو لاه و لاغ و باغ بالقلب عن حقها مستهزئ فيها و علامة النفاق قلة المبالاة بالكذب و الخيانة و الوقاحة و الدعوى بلا معنى و استخانة العين و السفه و الغلط و قلة الحياء و استصغار المعاصي و استيضاع أرباب الدين و استخفاف المصائب في الدين و الكبر و المدح و مدح الحب و حب المدح و الحسد و إيثار الدنيا على الآخرة و الشر على الخير و الحث على النميمة و حب اللهو و معرفة أهل الفسق و معونة أهل البغي و التخلف عن الخيرات و تنقص أهلها و استحسان ما يفعله من سوء و استقباح ما يفعله غيره من حسن و أمثال ذلك كثيرة و قد وصف الله المنافقين في غير موضع قال تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ في التفسير أي فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ قال تعالى في وصفهم وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً قال النبي ص المنافق من إذا وعد أخلف و إذا فعل أساء و إذا قال كذب و إذا ائتمن خان و إذا رزق طاش و إذا منع عاش و قال أيضا من خالفت سريرته علانيته فهو منافق كائنا من كان و حيث كان و في أي زمن كان و على أي رتبة كان

الباب التاسع و الستون في حسن المعاشرة قال الصادق ع حسن المعاشرة مع خلق الله تعالى في غير معصية من مزيد فضل الله تعالى عند عبده و من كان خاضعا لله في السر كان حسن المعاشرة في العلانية فعاشر الخلق لله تعالى و لا تعاشرهم لنصيبك لأمر الدنيا و لطلب الجاه و الرياء و السمعة و لا تقطن بسببها عن حدود الشريعة من باب المماثلة و الشهرة فإنهم لا يغنون عنك شيئا و تفوتك الأخيرة بلا فائدة 

الباب السبعون في الأخذ و العطاء 
قال الصادق ع من كان الأخذ أحب إليه من الإعطاء فهو مغبون لأنه يرى العاجل بغفلته أفضل من الآجل و ينبغي للمؤمن إذا أخذ أن يأخذ بحق و إذا أعطى ففي حق و بحق و من حق فكم من آخذ معطي دينه و هو لا يشعر و كم من معطي مورث بنفسه سخط الله و ليس الشأن في الأخذ و الإعطاء و لكن الناجي من اتقى الله في الأخذ و الإعطاء و اعتصم بحبل الورع و الناس في هاتين الخصلتين خاص و عام فالخاص ينظر في دقيق الورع فلا يتناول حتى يتيقن أنه حلال و إذا أشكل
عليه تناول عند الضرورة و العام ينظر في الظاهر فما لم يجده و لا يعلمه غصب و لا سرقة تناول و قال لا بأس هو لي حلال و الأمر في ذلك بين يأخذ بحكم الله عز و جل و ينفق في رضى الله عز و جلالباب الواحد و السبعون في المؤاخاة 

قال الصادق ع ثلاثة أشياء في كل زمان عزيزة و هي الإخاء في الله تعالى و الزوجة الصالحة الأليفة تعينه في دين الله عز و جل و ولد الرشيد و من وجد الثلاثة فقد أصاب خير الدارين و الحظ الأوفر من الدنيا و الآخرة و احذر أن تؤاخي من أرادك الطمع أو خوف أو ميل أو مال أو أكل أو شرب و اطلب مؤاخاة الأتقياء و لو في ظلمات الأرض و إن أفنيت عمرك في طلبهم فإن الله عز و جل لم يخل على وجه الأرض أفضل منهم بعد النبيين و ما أنعم الله تعالى على العبد بمثل ما أنعم به من التوفيق بصحبتهم قال الله تعالى الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ و أظن أن من طلب صديقا في زماننا هذا بلا عيب بقي بلا صديق أ لا ترى أن أول كرامة أكرم الله بها أنبياءه عند إظهار دعوتهم صديق أمين أو ولي فكذلك من أجل ما أكرم الله به أصدقاءه و أولياءه و أصفياءه و أمناءه و صحبته أنبياءه و ذلك دليل على أن ما في الدارين بعد معرفة الله تعالى نعمة أجل و أطيب و أزكى من الصحبة في الله عز و جل و المؤاخاة لوجه الله تعالى الباب الثاني و السبعون في المشاورة 

قال الصادق ع شاور في أمورك مما يقتضي الدين من فيه خمس خصال عقل و علم و تجربة و نصح و تقوى و إن تجد فاستعمل الخمسة و اعزم و توكل على الله تعالى فإن ذلك يؤديك إلى الصواب و ما كان من أمور الدنيا التي هي غير عائدة إلى الدين فاقضها و لا تتفكر فيها فإنك إذا فعلت ذلك أصبت بركة العيش و حلاوة الطاعة و في المشاورة اكتساب العلم و العاقل من يستفيد منها علما جديدا و يستدل به على المحصول من المراد و مثل المشورة مع أهلها مثل التفكر في خلق السماوات و الأرض و فنائهما و هما غيبان لأنه كلما قوي تفكره فيهما غاص في بحار نور المعرفة و ازداد بهما اعتبارا و يقينا و لا تشاور من لا يصدقه عقلك و إن كان مشهورا بالعقل و الورع و إذا شاورت من يصدقه قلبك فلا تخالفه فيما يثير به عليك و إن كان بخلاف مرادك فإن النفس تجمح عن قبول الحق و خلافها عند قبول الحقائق أبين قال الله تعالى وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ و قال تعالى وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ أي متشاورون فيه

الباب الثالث و السبعون في الحلم قال الصادق ع الحلم سراج الله يستضي ء به صاحبه إلى جواده و لا يكون حليما إلا المؤيد بأنوار المعرفة و التوحيد و الحلم يدور على خمسة أوجه أن يكون عزيزا فيذل أو يكون صادقا فيتهم أو يدعو إلى الحق فيستخف به أو أن يؤذى بلا جرم أو أن يطلب بالحق فيخالفوه فيه فإذا أتيت كلا منها حقه فقد أصبت و قابل السفيه بالإعراض عنه و ترك الجواب تكن الناس أنصارك لأن من حارب السفيه فكأنه قد وضع الحطب على النار مصباح الشريعة ص : 155قال النبي ص مثل المؤمن كمثل الأرض منافعهم منها إذا هم عليها و من لا يصبر على جفاء الخلق لا يصل إلى رضى الله تعالى لأن رضى الله تعالى مشوب بجفاء الخلق و حكي أن رجلا قال لأحنف بن قيس إياك أعني قال و عنك أحلم قال رسول الله ص بعثت للحلم مركزا و للعلم معدنا و للصبر مسكنا صدق رسول الله ص و حقيقة الحلم أن تعفو عمن أساء إليك و خالفك و أنت القادر على الانتقام منه كما ورد في الدعاء إلهي أنت أوسع فضلا و أوسع حلما من أن تؤاخذني بعملي و تستذلني بخطيئتي 


الباب الرابع و السبعون في الاقتداء 
قال الصادق ع ليس الاقتداء إلا بصحة قسمة الأرواح في الأول و امتزاج نور الوقت بنور الأزلي و ليس الاقتداء بالتوسم بحركات الظاهرة و النسب إلى أولياء الدين من الحكماء و الأئمة قال الله عز و جل يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أي من كان اقتدى بمحق فهو زكي و قال الله عز و جل فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ قال أمير المؤمنين ع الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف و قيل لمحمد بن الحنفية من أدبك فقال أدبني ربي في نفسي فما استحسنت من أولي الألباب و البصيرة تبعتهم به و استعملته و ما استقبحت من الجهال اجتنبته و تركته مستقرا فأوصلني ذلك إلى طريق العلم و لا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء لأنه المنهج الأوضح و المقصد الأصح قال الله عز و جل لأعز خلقه محمد ص أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و قال عز و جل ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً فلو كان لدين الله تعالى عز و جل مسلك أقوم من الاقتداء لندب أنبياءه و أولياءه إليه قال النبي ص في القلوب نور لا يضي ء إلا من اتباع الحق و قصد السبيل و هو من نور الأنبياء مودع في قلوب المؤمنينالباب الخامس و السبعون في العفو 

قال الصادق ع العفو عند القدرة من سنن المرسلين و أسرار المتقين و تفسير العفو ألا تلزم صاحبك فيما أجرم ظاهرا و تنسى من الأصل ما أصيب منه باطنا و تزيد على الاختيارات إحسانا و لن تجد إلى ذلك سبيلا إلا من قد عفا الله عنه و غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر عنه و زينه بكرامته و ألبسه من نور بهائه لأن العفو و الغفران صفتان من صفات الله تعالى أودعهما في أسرار أصفيائه ليتخلقوا مع الخلق بأخلاق خالقهم و جاعلهم لذلك قال الله عز و جل وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ و من لا يعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملك جبار قال النبي ص حاكيا عن ربه يأمره بهذه الخصال قال صل من قطعك و اعف عمن ظلمك و أعط من حرمك و أحسن إلى من أساء إليك و قد أمرنا بمتابعته لقول الله عز و جل وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فالعفو سر الله في القلوب قلوب خواصه فمن يسر له سره و قال رسول الله ص أ يعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم قيل يا رسول الله و ما أبو ضمضم قال ص رجل ممن قبلكم كان إذا أصبح يقول اللهم إني قد تصدقت بعرضي على الناس عامة

الباب السادس و السبعون في الموعظة  قال الصادق ع أحسن الموعظة ما لا تجاوز القول حد الصدق و الفعل حد الإخلاص فإن مثل الواعظ و المتعظ كاليقظان و الراقد فمن استيقظ عن رقدة غفلته و مخالفاته و معاصيه صلح أن يوقظ غيره من ذلك الرقاد و أما السائر في مفاوز الاعتداء و الخائض في مراتع الغي و ترك الحياء باستحباب السمعة و الرياء و الشهرة و التضيع إلى الخلق المتزي بزي الصالحين المظهر عمارة باطنه و هو في الحقيقة خال عنها قد غمرتها وحشته حب المحمدة و غشيتها ظلمة الطمع فما أفتنه بهواه و أضل الناس بمقاله قال الله عز و جل لَبِئْسَ الْمَوْلى و لَبِئْسَ الْمَصِيرُ و أما من عصمه الله بنور التوحيد و التأييد و حسن التوفيق فطهر قلبه من الدنس فلا يفارق المعرفة و التقى فيستمع الكلام من الأضل و ترك قائله كيفما كان قالت الحكماء خذ الحكمة و لو من أفواه المجانين قال عيسى ع جالسوا من يذكركم الله رؤيته و لقاؤه فضلا عن الكلام و لا تجالسوا من توافقه ظواهركم و تخالفه بواطنكم فإن ذلك المدعي بما ليس له إن كنتم صادقين فاستقادتكم فإذا لقيت من ثلاث خصال فاغتنم رؤياه و لقاه و مجالسته و لو كان ساعة فإن ذلك يؤثر في دينك و قلبك و عبادتك بركاته فمن كان كلامه لا يجاوز فعله و فعله لا يجاوز صدقه و صدقه لا ينازع ربه فجالسه بالحرمة و انتظر الرحمة و البركة و احذر لزوم الحجة عليك و راع وقته كيلا تلومه فتخسر و انظر إليه بعين فضل الله عليه و تخصيصه له و كرامته إياهالباب السابع و السبعون في الوصية 

قال الصادق ع أفضل الوصايا و ألزمها أن لا تنسى ربك و أن تذكره دائما و لا تعصيه و تعبد قاعدا و قائما و لا تغتر بنعمته و اشكره أبدا و لا تخرج من تحت أستار رحمته و عظمته و جلاله فتضل و تقع في ميدان الهلاك و إن مسك البلاء و الضراء و أحرقتك نيران المحن و اعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الأبدية و محنه مورثة رضاه و قربه و لو بعد حين فيا لها من أنعم لمن علم و وفق لذلك روي أن رجلا استوصى رسول الله ص فقال ص لا تغضب قط فإن فيه منازعة ربك فقال زدني فقال ص إياك و ما تعتذر منه فإن فيه الشرك الخفي فقال زدني فقال ص صل صلاة مودع فإن فيه الوصلة و القربى فقال زدني فقال ص استح من الله تعالى استحياءك من صالحي جيرانك فإن فيها زيادة اليقين و قد أجمع الله ما يتواصى به المتواصون من الأولين و الآخرين في خصلة واحدة و هي التقوى قال الله عز و جل وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ و فيه جماع كل عبادة صالحة و به وصل من وصل إلى الدرجات العلى و الرتبة القصوى و به عاش من عاش بالحياة الطيبة و الأنس الدائم قال الله عز و جل إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ

الباب الثامن و السبعون في التوكل  قال الصادق ع التوكل كأس مختوم بختام الله عز و جل فلا يشرب بها و لا ينفض ختامها إلا المتوكلون كما قال تعالى وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ و قال تعالى وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جعل الله التوكل مفتاح الإيمان و الإيمان قفل التوكل و حقيقة التوكل الإيثار و أصل الإيثار تقديم الشي ء بحقه و لا ينفك المتوكل في توكله من إثبات أحد الإيثارين فإن أثر المعلول و هو الكون حجب به و إن أثر المعلل علة التوكل و هو الباري سبحانه و تعالى بقي معه و إن أردت أن تكون متوكلا لا متعللا فكبر على روحك خمسة تكبيرات و ودع أمانيك كلها توديع الموت للحياة و ليس أدنى حد التوكل إلا تسابق مقدومك بالهمة و لا تطالع مقسومك و لا تستشرف معدومك فتنتقض بأحدهما عقد إيمانك و أنت لا تشعر و إن عزمت أن تقف على بعض شعار المتوكلين في توكله من إثبات أحد الإيثارين حقا فاعتصم بعروة هذه الحكاية و هي أنه روي أن بعض المتوكلين قدم على بعض الأئمة ع فقال له اعطف علي بجواب مسألة في التوكل و الإمام ع كان يعرف الرجل بحسن التوكل و نفيس الورع و أشرف على صدقه فيما سأل عنه من قبل إبدائه إياه فقال له قف أوطئ مكانك و انظرني ساعة فبينما هو مطرق لجوابه إذا اجتاز بهما فقير فأدخل الإمام ع يده في جيبه و أخرج شيئا فناوله الفقير ثم أقبل على السائل فقال له هات و سل عما بدا لك فقال السائل أيها الإمام كنت أعرفك قادرا متمكنا من جواب مسألتي قبل أن استنظرتني فما شأنك في إبطائك عني فقال الإيمان لتعتبر المعنى قبل كلامي إذا لم أكن أراني ساهيا بسري و ربي مطلع عليه أن أتكلم بعلم التوكل و في جيبي دانق ثم لم يحل لي ذلك إلا بعد إيثاره فافهم فشهق السائل شهقة و حلف ألا يأوي عمرانا و لا يأنس ببشر ما عاشالباب التاسع و السبعون في تبجيل الإخوان 

قال الصادق ع مصافحة إخوان الدين أصلها من محبة الله لهم قال رسول الله ص ما تصافح أخوان في الله إلا تناثرت ذنوبهما حتى يعودان كيوم ولدتهما أمهما و لا كثر حبهما و تبجيلهما كل واحد لصاحبه إلا كان له مزيد و الواجب علي أعلمهما بدين الله أن يريد صاحبه في فنون الفرائد التي ألزمه الله بها و يرشده إلى الاستقامة و الرضا و القناعة و يبشره برحمة الله و يخوفه من عذابه و على الأخ أن يتبارك باهتدائه و يمسك ما يدعوه إليه و يعظه به و يستدل بما يدل إليه معتصما بالله و مستعينا به لتوفيقه على ذلك قيل لعيسى ابن مريم ع كيف أصبحت قال لا أملك نفع ما أرجو و لا أستطيع دفع ما أحذره مأمورا بالطاعة و منهيا عن المعصية فلا أرى فقيرا أفقر مني و قيل لأويس القرني كيف أصبحت قال كيف يصبح رجل إذا أصبح لا يدري أ يمسي و إذا أمسى لا يدري أ يصبح قال أبو ذر ره أصبحت أشكر ربي و أشكر نفسي قال النبي ص من أصبح و همته غير الله فقد أصبح من الخاسرين المعتدين

الباب الثمانون في الجهاد و الرياضة قال الصادق ع طوبى لعبد جاهد لله نفسه و هواه و من هزم حينئذ هواه ظفر برضى الله و من جاوز عقله نفسه الأمارة بالسوء بالجهد و الاستكانة و الخضوع على بساط خدمة الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما و لا حجاب أظلم و أوحش بين العبد و بين الله تعالى من النفس و الهوى و ليس لقتلهما و قطعهما سلاح و آلة مثل الافتقار إلى الله سبحانه و الخشوع و الجوع و الظماء بالنهار و السهر بالليل فإن مات صاحبه مات شهيدا و إن عاش و استقام أداه عاقبته إلى الرضوان الأكبر قال الله عز من قائل وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ و إذا رأيت مجتهدا أبلغ منك في الاجتهاد فوبخ نفسك ولها و عيرها تحثيثا على الازدياد عليه و اجعل لها زماما من الأمر و عنانا من النهي و سقها كالرائض للفاره التي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلا و قد صحح أولها و آخرها و كان رسول الله ص يصلي حتى يتورم قدماه و قال أ فلا أكون عبدا شكورا أراد ص أن يعتبر به أمته فلا يغفلوا عن الاجتهاد و التعب و الرياضة بحال إلا أنك لو وجدت حلاوة عبادة الله و رأيت بركاتها و استضأت بنورها لم تصبر عنها ساعة واحدة و لو قطعت إربا إربا فما أعرض من أعرض عنها إلا بحرمان فوائد السلف من العصمة و التوفيق قيل لربيع بن خيثم ما لك لا تنام بالليل قال لأني أخاف البيات 

الباب الواحد و الثمانون في ذكر الموت 

قال الصادق ع ذكر الموت يميت الشهوات في النفس و يقطع منابت الغفلة و يقوي القلب بمواعد الله و يرق الطبع و يكسر أعلام الهوى و يطفئ نار الحرص و يحقر الدنيا و هو معنى ما قال النبي ص فكر ساعة خير من عبادة سنة و ذلك عند ما تحل أطناب خيام الدنيا و تشدها بالآخرة و لا يسكن نزول الرحمة عند ذكر الموت بهذه الصفة و من لا يعتبر بالموت و قلة حيلته و كثرة عجزه و طول مقامه في القبر و تحيره في القيامة فلا خير فيه قال النبي ص اذكروا هادم اللذات قيل و ما هو يا رسول الله ص فقال ص الموت ما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا و لا في شدة إلا اتسعت عليه و الموت أول منزل من منازل الآخرة و آخر منزل من منازل الدنيا فطوبى لمن أكرم عند النزول بأولها و طوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها و الموت أقرب أشياء من بني آدم و هو يعده أبعد فما أجرى الإنسان على نفسه و ما أضعفه من خلق و في الموت نجاة المخلصين و هلاك المجرمين و لذلك اشتاق من اشتاق الموت و كره من كره قال النبي ص من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه الباب الثاني و الثمانون في حسن الظن قال الصادق ع حسن الظن أصله من حسن إيمان المرء و سلامة صدره و علامته أن يرى كلما نظر إليه بعين الطهارة و الفضل من حيث ركب فيه و قذف في قلبه من الحياة و الأمانة و الصيانة و الصدق قال النبي ص أحسنوا ظنونكم بإخوانكم تغتنموا بها صفاء القلب و إثاء الطبع و قال أبي بن كعب إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوها بسبعين تأويلا فإن اطمأنت قلوبكم على أحدها و إلا فلوموا أنفسكم حيث لم تعذروه و إن تقدروا في خصلة يسرها عليه سبعين تأويلا فأنتم أولى بالإنكار على أنفسكم منه أوحى الله تبارك و تعالى إلى داود ع ذكر عبادي من آلائي و نعمائي فإنهم لم يروا مني إلا الحسن الجميل لئلا يظنوا في الباقي إلا مثل الذي سلف مني إليهم و حسن الظن يدعو إلى حسن العبادة و المغرور يتمادى في المعصية و يتمنى المغفرة و لا يكون أحسن الظن في خلق الله إلا المطيع له يرجو ثوابه و يخاف عقابه قال رسول الله ص يحكي عن ربه أنا عند حسن ظن عبدي بي يا محمد ص فمن زاغ عن وفاء حقيقة موهبات ظنه بربه فقد أعظم الحجة على نفسه و كان من المخدوعين في أسر هواه 

الباب الثالث و الثمانون في التفويض 
قال الصادق ع المفوض أمره إلى الله في راحة الأبد و العيش الدائم الرغد و المفوض حقا هو العالي عن كل همة دون الله تعالى كما قال أمير المؤمنين ع
رضيت بما قسم الله لي و فوضت أمري إلى خالقي كما أحسن الله مما مضى كذلك يحسن فيما بقي 

و قال الله عز و جل في مؤمن آل فرعون وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ و التفويض خمسة أحرف لكل حرف منها حكم فمن أتى بأحكامه فقد أتى به التاء من تركه التدبير في الدنيا و الفاء من فناء كل همة غير الله و الواو من وفاء العهد و تصديق الوعد و الياء اليأس من نفسك و اليقين بربك و الضاد الضمير الصافي لله و الضرورة إليه و المفوض لا يصبح إلا سالما من جميع الآفات و لا يمسي إلا معافا بدينه

الباب الرابع و الثمانون في اليقين قال الصادق ع اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني و مقام عجيب كذلك أخبر رسول الله ص عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده أن عيسى ع كان يمشي على الماء فقال ص لو زاد يقينه لمشى على الهواء فدل بهذا على أن الأنبياء مع جلالة محلهم من الله كانت يتفاضل على حقيقة اليقين لا غير و لا نهاية بزيادة اليقين على الأبد و المؤمنون أيضا متفاوتون في قوة اليقين و ضعفه فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبري من الحول و القوة إلا بالله و الاستقامة على أمر الله و عبادته ظاهرا و باطنا قد استوت عنده حالتا العدم و الوجود و الزيادة و النقصان و المدح و الذم و العز و الذل لأنه يرى كلها من عين واحد و من ضعف يقينه تعلق بالأسباب و رخص لنفسه بذلك و اتبع العادات و أقاويل الناس بغير حقيقة و السعي في أمر الدنيا و جمعها و إمساكها مقرا باللسان أنه لا مانع و لا معطي إلا الله و أن العبد لا يصيب إلا ما رزق و قسم له و الجهد لا يزيد في الرزق و ينكر ذلك بفعله و قلبه قال الله تعالى يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ إنما عطف الله تعالى بعباده حيث أذن لهم بالكسب و الحركات في باب العيش ما لم يتعد حدود الله و لم يتركوا فرائضه و سنن نبيه في جميع حركاتهم و لا يعدلوا عن مهجة التوكل و لا يقفوا في ميدان الحرص فأما إذا نسوا ذلك و ارتبطوا بخلاف ما حد لهم كانوا من الهالكين الذين ليس معهم في الحاصل إلا الدعاوي الكاذبة و كل مكتسب لا يكون متوكلا فلا يستجلب من كسبه إلى نفسه إلا حراما و شبهة و علامته أن يؤثر ما يحصل من كسبه و يجوع و ينفق في سبيل الدنيا و لا يمسك و المأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسبا و بقلبه متوكلا و إن كثر المال عنده قام فيه كالأمين عالما بأن يكون ذلك المال و فوته سواء و إن أمسك أمسك لله و إن أنفق أنفق فيما أمره الله عز و جل و يكون منعها 

و إعطاؤها لله تعالى 

الباب الخامس و الثمانون في الخوف و الرجاء 
قال الصادق ع الخوف رقيب القلب و الرجاء شفيع النفس و من كان بالله عارفا كان من الله خائفا و إليه راجيا و هما جناحا الإيمان يطير بهما العبد المحقق إلى رضوان الله و عينا عقله يبصر بهما إلى وعد الله تعالى و وعيده و الخوف طالع عدل الله باتقاء وعيده و الرجاء داعي فضل الله و هو يحيي القلب و الخوف يميت النفس قال رسول الله ص المؤمن بين خوفين خوف ما مضى و خوف ما بقي و بموت النفس يكون حياة القلب و بحياة القلب البلوغ إلى الاستقامة و من عبد الله تعالى على ميزان الخوف و الرجاء لا يضل و يصل إلى مأموله و كيف لا يخاف العبد و هو غير عالم بما يختم صحيفته و لا له عمل يتوسل به استحقاقا و لا قدرة له على شي ء و لا مفر و كيف لا يرجو و هو يعرف نفسه بالعجز و هو غريق في بحر آلاء الله و نعمائه من حيث لا تحصى و لا تعد و المحب يعبد ربه على الرجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر و الزاهد يعبد على الخوف قال أويس لهرم بن حيان قد عمل الناس على الرجاء فقال بل تعمل على الخوف و الخوف خوفان ثابت و معارض فالثابت من الخوف يورث الرجاء و المعارض منه يورث خوفا ثابتا و الرجاء رجاءان منه عاكف و باد فالعاكف منه يورث خوفا ثابتا يقوي نسبة المحبة و البادي منه يصح أمل العجز و التقصير و الحياة

الباب السادس و الثمانون في الرضا 


قال الصادق ع صفة الرضا أن يرضى المحبوب و المكروه و الرضا شعاع نور المعرفة و الراضي فان عن جميع اختياره و الراضي حقيقة هو المرضي عنه و الرضا اسم يجتمع فيه معاني العبودية و تفسير الرضا سرور القلب سمعت أبي محمد الباقر ع يقول تعلق القلب بالموجود شرك و بالمفقود كفر و هما جناحان من سنة و أعجب بمن يدعي العبودية لله كيف ينازعه في مقدوراته حاشا الراضين العارفين عن ذلك
 

الباب السابع و الثمانون في البلاء 
قال الصادق ع البلاء زين للمؤمن و كرامة لمن عقل لأن في مباشرته الصبر عليه و الثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان قال النبي ص نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء و المؤمنون الأمثل فالأمثل و من ذاق طعم البلاء تحت سر حفظ الله له تلذذ به أكثر من تلذذه بالنعمة و اشتاق إليه إذا فقده لأن تحت ميزان البلاء و المحنة أنوار النعمة و تحت أنوار النعمة ميزان البلاء و المحنة و قد ينجو من البلاء و يهلك في النعمة كثير و ما أثنى الله على عبد من عباده من لدن آدم ع إلى محمد ص إلا بعد ابتلائه و وفاء حق العبودية فيه فكرامات الله في الحقيقة نهايات بداياتها البلاء و بدايات نهاياتها البلاء و من خرج من سكة البلوى جعل سراج المؤمنين و مؤنس المقربين و دليل القاصدين و لا خير في عبد شكا من محنة تقدمها آلاف نعمة و أتبعها آلاف راحة و من لا يقضي حق الصبر في البلاء حرم قضاء الشكر في النعماء كذلك من لا يؤدي حق الشكر في النعماء يحرم عن قضاء الصبر في البلاء و من حرمهما فهو من المطرودين و قال أيوب ع في دعائه اللهم قد أتى علي سبعون في الراحة و الرخاء حتى تأتي علي سبعون في البلاء و قال وهب بن منبه البلاء للمؤمن كالشكال للدابة و العقال للإبل و قال علي ع الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد و رأس الصبر البلاء و ما يعقلها إلا العاملون
 


الباب الثامن و الثمانون في الصبر 
قال الصادق ع الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور و الصفاء و الجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة و الوحشة و الصبر يدعيه كل أحد و ما يثبت عنده إلا المخبتون و الجزع ينكره كل أحد و هو أبين على المنافقين لأن نزول المحنة و المصيبة مخبر عن الصادق و الكاذب و تفسير الصبر ما يستمر مذاقه و ما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا و تفسير الجزع اضطراب القلب و تحزن الشخص و تغير اللون و تغير الحال و كل نازلة خلت أوائلها من الإخبات و الإنابة و التضرع إلى الله فصاحبها جزوع غير صابر و الصبر ما أوله مر و آخره حلو لقوم و لقوم مر أوله و آخره فمن دخله من أواخره فقد دخل و من دخله من أوائله فقد خرج و من عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه الصبر قال الله تعالى في قصة موسى بن عمران ع و خضر وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فمن صبر كرها و لم يشك إلى الخلق أو لم يجزع بهتك ستره فهو من العام و نصيبه ما قال الله عز و جل وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ أي بالجنة و المغفرة و من استقبل البلاء بالرحب و صبر على سكينة و وقار فهو من الخاص و نصيبه ما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَالباب التاسع و الثمانون في الحزن 

قال الصادق ع الحزن من شعار العارفين لكثرة مواردات الغيب على سرائرهم و طول مباهاتهم تحت ستر الكبرياء و المحزون ظاهره قبض و باطنه بسط يعيش مع الخلق عيش المرضى و مع الله عيش القربى و المحزون غير المتفكر لأن المتفكر متكلف و المحزون مطبوع و الحزن يبدو من الباطن و التفكر يبدو من رؤية المحدثات و بينهما فرق قال الله تعالى في قصة يعقوب ع إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فبسبب ما تحت الحزن علم خص به من الله دون العالمين قيل لربيع بن خيثم ما لك محزون قال لأني مطلوب و يمين الحزن الانكسار و شماله الصمت و الحزن يختص به العارفون لله و التفكر يشترك فيه الخاص و العام و لو حجب الحزن عن قلوب العارفين ساعة لاستغاثوا و لو وضع في قلوب غيرهم لاستنكروه فالحزن أول ثانية الأمن و البشارة و التفكر ثان أوله تصحيح الإيمان بالله و الافتقار إلى الله عز و جل بطلب النجاة و الحزين متفكر و المتفكر معتبر و لكل واحد منهما حال و علم و طريق و حلم و شرف

الباب التسعون في الحياء  قال الصادق ع الحياء نور جوهره صدر الإيمان و تفسيره التثبت عند كل شي ء ينكره التوحيد و المعرفة قال النبي ص الحياء من الإيمان فيقبل الحياء بالإيمان و الإيمان بالحياء و صاحب الحياء خير كله و من حرم الحياء فهو شر كله و إن تعبد و تورع و إن خطوة يتخطاه في ساحات هيبة الله بالحياء منه إليه خير له من عبادة سبعين سنة و الوقاحة صدر النفاق و الشقاق و الكفر قال رسول الله ص إذا لم تستح فاعمل ما شئت أي إذا فارقت الحياء فكل ما عملت من خير و شر فأنت به معاقب و قوة الحياء من الحزن و الخوف و الحياء مسكن الخشية و الحياء أوله الهيبة و آخره الرؤية و صاحب الحياء مشتغل بشأنه معتزل من الناس مزدجر عما هم فيه و لو تركوا صاحب الحياء ما جالس أحدا قال رسول الله ص إذا أراد الله بعبد خيرا ألهاه عن محاسنه و جعل مساوئه بين عينيه و كرهه مجالسة المعرضين عن ذكر الله و الحياء خمسة أنواع حياء ذنب و حياء تقصير و حياء كرامة و حياء حب و حياء هيبة و لكل واحد من ذلك أهل و لأهله مرتبة على حدةالباب الواحد و التسعون في المعرفة 


قال الصادق ع العارف شخصه مع الخلق و قلبه مع الله لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا إليه و العارف أمين وقائع الله و كنز أسراره و معدن أنواره و دليل رحمته على خلقه و مطية علومه و ميزان فضله و عدله قد غني عن الخلق و المراد و الدنيا و لا مؤنس له سوى الله و لا نطق و لا إشارة و لا نفس إلا بالله و مع الله و من الله فهو في رياض قدسه متردد و من لطائف فضله إليه متزود و المعرفة أصل و فرعه الإيمان

الباب الثاني و التسعون في حب الله  قال الصادق ع حب الله إذا أضاع على سر عبده أخلاه عن كل شاغل و كل ذكر سوى الله و المحب أخلص الناس سرا لله و أصدقهم قولا و أوفاهم عهدا و أذكاهم عملا و أصفاهم ذكرا و أعبدهم نفسا تتباهى الملائكة عند مناجاته و تفتخر برؤيته و به يعمر الله تعالى بلاده و بكرامته يكرم الله عباده يعطيهم إذا سألوه بحقه و يدفع عنهم البلايا برحمته و لو علم الخلق ما محله عند الله و منزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه و قال أمير المؤمنين ع حب الله نار لا يمر على شي ء إلا احترق و نور الله لا يطلع على شي ء إلا أضاء و سماء الله ما ظهر من سحاب تحته من شي ء إلا غطاه و ريح الله ما تهب في شي ء إلا حركته و ماء الله يحيا به كل شي ء و أرض الله ينبت منها كل شي ء فمن أحب الله أعطاه كل شي ء من الملك و الملك قال النبي ص إذا أحب الله عبدا من أمتي قذف في قلوب أصفيائه و أرواح ملائكته و سكان عرشه محبته ليحبوه فذلك المحب حقا طوبى له ثم طوبى له و له عند الله شفاعة يوم القيامةالباب الثالث و التسعون في الحب لله 

قال الصادق ع المحب في الله محب لله و المحبوب في الله حبيب الله لأنهما لا يتحابان إلا في الله قال رسول الله ص المرء مع من أحب فمن أحب عبدا في الله فإنما أحب الله تعالى و لا يحب الله تعالى إلا من أحبه الله قال رسول الله ص أفضل الناس بعد النبيين في الدنيا و الآخرة لله المتحابون فيه و كل حب معلول يورث فيه عداوة إلا هذين و هما من عين واحدة يزيدان أبدا و لا ينقصان أبدا قال الله تعالى الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ لأن أصل الحب التبري عن سواء المحبوب و قال أمير المؤمنين ع إن أطيب شي ء في الجنة و ألذه حب الله و الحب في الله و الحمد لله قال الله عز و جل وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و ذلك أنهم إذا عاينوا ما في الجنة من النعيم هاجت المحبة في قلوبهم فينادون عند ذلك و الحمد لله رب العالمين

الباب الرابع و التسعون في الشوق 
قال الصادق ع المشتاق لا يشتهي طعاما و لا يلتذ شرابا و لا يستطيب وقادا و لا يأنس حميما و لا يأوي دارا و لا يسكن عمرانا و لا يلبس ثيابا و لا يقر قرارا و يعبد الله ليلا و نهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه و يناجيه بلسان الشوق معبرا عما في سريرته كما أخبر الله تعالى عن موسى ع في ميعاد ربه وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى و فسر النبي ص عن حاله أنه ما أكل و لا شرب و لا نام و لا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه و مجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه فإذا دخلت ميدان الشوق فكبر على نفسك و مرادك من الدنيا و ودع جميع المألوفات و اصرفه عن سوى مشوقك و لب بين حياتك و موتك لبيك اللهم لبيك عظم الله أجرك و مثل المشتاق مثل الغريق ليس له همة إلا خلاصه و قد نسي كل شي ء دونه
 


الباب الخامس و التسعون في الحكمة 
قال الصادق ع الحكمة ضياء المعرفة و ميزان التقوى و ثمرة الصدق و لو قلت ما أنعم الله على عبد بنعمة أعظم و أنعم و أجزل و أرفع و أبهى من الحكمة للقلب قال تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي لا يعلم ما أودعت و هيأت في الحكمة إلا من استخلصته لنفسي و خصصته بها و الحكمة هي النجاة و صفة الحكمة الثبات عند أوائل الأمور و الوقوف عند عواقبها و هو هاوي خلق الله إلى الله تعالى قال رسول الله ص لعلي ع لأن يهدي الله على يديك عبدا من عباده خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها 


الباب السادس و التسعون في الدعوى
 
قال الصادق ع الدعوى بالحقيقة للأنبياء و الأئمة و الصديقين و ما المدعي بغير واجب فهو كإبليس اللعين ادعى النسك و هو على الحقيقة منازع لربه مخالف لأمره فمن ادعى أظهر الكذب و الكاذب لا يكون أمينا و من ادعى فيما لا يحل له عليه فتح له أبواب البلوى و المدعي يطالب بالبينة لا محالة و هو مفلس فيفتضح و الصادق لا يقال له لم قال علي ع الصادق لا يراه أحد إلا هابه

الباب السابع و التسعون في العبرة 

قال الصادق ع قال رسول الله ص المعتبر في الدنيا عيشه فيها كعيش النائم يراها و لا يمسها و يزيد عن قلبه و نفسه باستقباحه معاملات المغرورين بها ما تورثه الحساب و العقاب و يتبدل بها ما تقربه من رضى الله و عفوه و يغسل بماء زوالها مواضع دعوتها إليه و تزين نفسها إليه فالعبرة تورث صاحبها ثلاثة أشياء العلم بما يعمل و العمل بما يعلم و العلم بما لا يعلم و العبرة أصلها أول يخشى آخره و آخر قد تحقق الزهد في أوله و لا يصح الاعتبار إلا لأهل الصفاء و البصيرة قال الله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ قال تعالى أيضا فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ فمن فتح الله عين قلبه و بصيرته بالاعتبار فقد أعطاه منزلة رفيعة و ملكا عظيما

الباب الثامن و التسعون في القناعة 
قال الصادق ع لو حلف القانع بتملكه على الدارين لصدقه الله عز و جل بذلك و لأبره لعظم شأن مرتبة القناعة ثم كيف لا يقنع العبد بما قسم الله له و هو يقول نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فمن أذعن و صدقه بما شاء و لما شاء بلا غفلة و أيقن بربوبيته أضاف تولية الأقسام إلى نفسه بلا سبب و من قنع بالمقسوم استراح من الهم و الكرب و التعب و كلما أنقص من القناعة زاد في الرغبة و الطمع في الدنيا أصل كل شر و صاحبها لا ينجو من النار إلا أن يتوب
و لذلك قال ص القناعة ملك لا يزول و هي مركب رضى الله تعالى تحمل صاحبها إلى داره فأحسن التوكل فيما لم تعطه و الرضا بما أعطيت و اصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور 


الباب المائة في الغيبة 
قال الصادق ع الغيبة حرام على كل مسلم مأثوم صاحبها في كل حال و صفة الغيبة أن تذكر أحدا بما ليس هو عند الله عيب أو تذم ما تحمده أهل العلم فيه و أما الخوض في ذكر الغائب بما هو عند الله مذموم و صاحبه فيه ملوم فليس بغيبة و إن كره صاحبه إذا سمع به و كنت أنت معافا عنه و خاليا منه و يكون في ذلك مبينا للحق من الباطل ببيان الله تعالى و رسوله ص و لكن على شرط أن لا يكون للقائل بذلك مراد غير بيان الحق و الباطل في دين الله عز و جل و أما إذا أراد به نقص المذكور بغير ذلك المعنى فهو مأخوذ بفساد مراده و إن كان صوابا و إن اغتبت مبلغ المغتاب فاستحل منه فإن لم تبلغه و لم تلحقه فاستغفر الله له و الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أوحى الله عز و جل إلى موسى بن عمران ع المغتاب هو آخر من يدخل الجنة إن تاب و إن لم يتب فهو أول من يدخل النار قال الله تعالى أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ و وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق و العقل و الفعل و المعاملة و المذهب و الجهل و أشباهه و أصل الغيبة متنوع بعشرة أنواع شفاء غيض و مساعدة قوم و تهمة و تصديق خبر بلا كشفه و سوء ظن و حسد و سخرية و تعجب و تبرم و تزين فإن أردت الإسلام فاذكر الخالق لا المخلوق فيصير لك مكان الغيبة عبرة و مكان الإثم ثوابا. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: